إنه ليس حلماً، بل هي الحقيقة الواضحة كالشمس التي تشرق فوق العاصمة المغربية الرباط، كما كلّ العالم.

حقق المنتخب المغربي فوزاً مستحقاً على إسبانيا بركلات الجزاء (3 ـ 0)، بعد انتهاء المباراة بالتعادل السلبي، وبات المنتخب العربي الأول الذي يصل إلى ربع نهائي المونديال، والمنتخب الأفريقي الرابع الذي يحقق هذا الإنجاز بعد الكاميرون (1990) والسنغال (2002) وغانا (2010). وهذه أفضل نتيجة لمنتخب عربي في تاريخ كأس العالم، بعد بلوغ المغرب نفسها (1986)، السعودية (1994) والجزائر (2014) الدور ثمن النهائي.
تاريخ جديد كُتب بتعب وعرق «أسود الأطلس» الذين استحقوا الفوز يوم أمس، وهم بقليل من التركيز والعمل قادرون على التتويج باللقب الأغلى، وهذه ليست مبالغة ولا أحلاماً. أثبت المغرب أنه يمتلك اليد العليا، وأكد أيضاً أن المنتخبات الأوروبية تُهزم وهي ليست «بعبعاً»، وهكذا فعلت اليابان قبله وكوريا الجنوبية... المنتخبات الأفريقية والآسيوية تمتلك جميع المؤهلات، والأساس هو أن تثق بنفسها وبقدراتها.
يمتلك المغرب تشكيلة مميزة من اللاعبين المحترفين في أهم الدوريات الأوروبيّة، ولاعبين محليين حققوا ألقاباً ونتائج مهمة على مستوى القارة السمراء. تصدى حارس المغرب ونادي إشبيلية الإسباني ياسين بونو للعديد من الكرات الخطرة خلال المباراة محافظاً على نظافة شباكه. الحارس الذي غاب عن مباراة بلجيكا في دور المجموعات بسبب المرض، تعملق أمام إسبانيا ومنعها من تسجيل أي هدف حتى في ركلات الجزاء. تصدى بونو لكرتي سيرجيو بوسكتس وكارلوس سولار، فيما ذهبت كرة بابلو سارابيا الأولى باتجاه القائم، ليستحق لقب بطل مباراة التأهل إلى ربع النهائي. وبهذا الأداء كسر بونو خطة مدرب إسبانيا لويس إنريكي، الذي فرض على لاعبيه خلال الأشهر الماضية التدرب على تسديد 1000 ركلة جزاء، كونها ستفيدهم في المونديال، إلا أن ياسين بونو كان له رأي آخر.

المنتخب المغربي قادر على تخطي الدور ربع النهائي والذهاب بعيداً في المونديال


من شاهد مباراة الأمس ـ ومئات الملايين فعلوا ذلك ـ استطاع أن يرى بوضوح الأداء المميز للاعبي المغرب. نجم باريس سان جيرمان أشرف حكيمي وضع كل خبرته أمام إسبانيا وكان صاحب ركلة الجزاء الحاسمة في النهاية. ولكن ما كان لافتاً هو الروح القتالية الكبيرة عند قلبي الدفاع نايف أكرد وغانم سايس، اللذين عطلا جميع مفاتيح المنتخب الإسباني، وخرجا مصابين. وعلى مستوى خط الوسط يعود الفضل الكبير للمتألق والمقاتل الشرس سفيان أمرابط الذي خلق مشكلات كبيرة لخط وسط إسبانيا، كما عطل سيرجيو بوسكتس بشكل شبه كامل. ويستحق زميله سفيان بوفال الذي خرج بديلاً في الدقيقة 60 لقب العبقري، نتيجة الأداء المميز، وتلاعبه بنجوم المنتخب الإسباني، وخلقه للعديد من الفرص الخطرة. وعلى مدى 120 دقيقة كان حكيم زياش يقدم اللمحات الفنية والتمريرات المتقنة لزملائه في الفريق، الذين أضاعوا العديد من الكرات أمام مرمى «الثيران الإسبانية». وتوّج زياش أداءه المثالي بتسجيله ركلة جزاء هو الآخر، مع زميله حكيمي وعبد الحميد صابري.
الجميع قدموا مباراة العمر أمام إسبانيا، ليضعوها خارج المونديال. وهذه هي المرة الثالثة التي تودع فيها «لا روخا» كأس العالم من ثمن النهائي، في 8 مناسبات، والمرة الأولى التي تخرج فيها أمام منتخب غير أوروبي من المونديال. كما أن المغرب هو أول فريق أفريقي يهزم إسبانيا في كأس العالم منذ نيجيريا عام 1998.
هذه الأرقام جميعها سجلها اللاعبون المغاربة بقيادة مدربهم وليد الركراكي. والأخير بدوره بات أول مدرب أفريقي يصل إلى ربع نهائي المونديال.
الركراكي أدار المباراة بشكل جيد جداً، ولكن الخطأ الوحيد ربما كان إشراك وليد شديرة كبديل في خط الهجوم، بعد إهداره كرتين سهلتين أمام مرمى إسبانيا في آخر دقائق المباراة، وهو الأمر الذي كاد أن يكلف المغاربة غالياً.

لم يخسر المغرب أي مباراة حتى الآن في المونديال (أ ف ب)

وبعيد اللقاء قال الركراكي: «أعتقد أننا قدمنا مباراة رائعة، تكتيكياً التزم اللاعبون بالخطة، لم يستسلموا. قلت لهم إننا سنتعب، لقد دخلوا التاريخ. وضعت لهم في رأسهم فكرة أنه يجب أن يكونوا طموحين». وأضاف: «الأهم كان أن نظهر وجهاً جيداً. في ركلات الترجيح يوجد الحظ. لدينا حارس كبير، بين الأفضل في العالم، قادر على وضعنا في ربع النهائي. اللاعبون مستعدون للموت من أجل بلدهم. نحن طموحون وسنقدم كل شيء».
طموح مشروع لمنتخب متكامل العناصر، وهو قادر بلا شك على إلحاق الهزيمة بالمنتخب البرتغالي يوم السبت المقبل والتأهل إلى نصف النهائي، بخاصة أنه يحافظ حتى الآن على سجله خالياً من الخسارة في المونديال بعد تعادل سلبي مع كرواتيا وفوز على بلجيكا (2 ـ 0)، كما أن شباكه اهتزت مرة واحدة عندما تغلب على كندا (2-1) في الجولة الثالثة الأخيرة من الدور الأول.
يحتاج المنتخب المغربي اليوم إلى متابعة لاعبيه المصابين، بخاصة قلبي الدفاع أكرد وسايس، والتحضر ذهنياً وبدنياً للمباراة المقبلة، والدخول إليها بعقلية المنتصر لكي يواصل كتابة التاريخ.
البرتغال إلى ربع النهائي
ستلعب المغرب في الدور ربع النهائي مع البرتغال التي حققت فوزاً كبيراً على سويسرا 6-1، سُجّل خمسة منها بغياب رونالدو الذي بقي على مقاعد الاحتياط بقرار من المدرب البرتغالي حتى الدقيقة 74. وسجّل أهداف البرتغال على ملعب لوسيل أمام 83720 متفرجاً غونسالو راموس في الدقائق 17 و51 و67، بيبي (33)، رافايل غيريرو (55)، رافايل لياو (92). ولسويسرا مانويل أكانجي (58). وسيلعب المغرب مع البرتغال في ربع النهائي يوم السبت عند الساعة 17.00 بتوقيت بيروت.