منذ فوز ملفها عام 2010 بحق استضافة كأس العالم 2022، انهالت الاتهامات المختلفة على قطر. بدأ الأمر بالتشكيك في نزاهة التصويت وسط مزاعم «فساد ورشاوى»، ثم امتد الأمر إلى الانتقادات حول درجة الحرارة والتضييق على «مجتمع الميم» تبعاً لبيئة البلد المحافظة. ولعل أبرز الاتهامات التي طاولت قطر منذ بدئها بعمليات التحضير، انتهاكها حقوق الإنسان في ما يتعلق بالعمال المهاجرين الذين أشرفوا على عمليات تشييد وترميم الملاعب، المدن والبنى التحتية.

عام 2014، اتهمت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان قطر بعدم توفيرها ظروف عمل مناسبة، حيث حالت الأجور المتدنية دون قدرة العمّال على تأمين أماكن للسكن تستوفي الحد الأدنى من السلامة والراحة. إضافةً إلى ذلك، انتقدت المنظمة حجب أجور العاملين ومصادرة جوازات سفرهم. ردّت قطر بعدها عبر اتخاذ تدابير لتحسين الظروف، وقامت بإلغاء نظام «الكفالة» الذي يمنع العمال المهاجرين من ترك وظائفهم دون موافقة ربّ العمل. ومع ذلك، أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن التحسينات الجديدة لم تخفف الضغط الممارَس على الموظفين. وقبل أيام قليلة دعت منظمة هيومن رايتس ووتش رعاة بطولة كأس العالم، إلى دعم الدعوات لتعويض العمال الوافدين وعائلاتهم على خلفية انتهاكات حقوقية تعرّضوا لها خلال التحضيرات للمونديال. وقالت المنظمة في بيان لها إن «إيه بي إنبيف/بدوايزر» و«أديداس» و«كوكاكولا» و«مكدونالدز»، أعلنت عن دعمها لمثل هذا التعويض المالي.
ولعل أكثر التقارير المسبّبة للضجة في هذا الصدد، ما نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في فبراير/شباط من عام 2021. أشارت الصحيفة حينها إلى وفاة 6500 عامل مهاجر من الهند وباكستان ونيبال وبنغلاديش وسريلانكا في قطر خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2020، مع ترجيح منظمات تُعنى بحقوق العمال في الخليج أن أغلب المتوفّين لقوا حتفهم خلال العمل في مشاريع البنية التحتية لكأس العالم.
على خلفية ذلك، دعا الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم الدولة القطرية إلى تعويض أسر العمال المهاجرين الذين قُتلوا أو أصيبوا أثناء تشييد البنية التحتية المتعلقة بالمونديال. أما قطر، فقد أكّدت المبالغة في الأرقام لأنها تشمل آلاف الأجانب الذين لقوا حتفهم بعد العيش والعمل هناك لسنواتٍ عديدة، مشيرةً إلى أن غالبية حالات الوفيات «لا علاقة لها بظروف العمل».
يُذكر أن العديد من المنظمات الحقوقية اتهمت قطر بالقسوة تجاه العمال، منها منظمة «Human Rights Watch» و «IMPACT» البريطانية، إلا أن قطر نفت الاتهامات مراراً وتكراراً مؤكدةً اتخاذها سلسلة خطوات لتحسين ظروف العمالة الأجنبية.

فعلٌ... ورد فعل
شوطٌ كبير قطعته قطر لاستضافة المونديال، مع بقاء أقل من شهرين على قصّ شريط الافتتاح (يبدأ في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل). لكن، يبدو أن الاتهامات التي استنكرتها قطر حول اليد العاملة سوف تلحقها إلى داخل أسوار الملاعب.
ما ناشدت به وسائل الإعلام العالمية منذ عام 2011، جسّدته الدنمارك على قمصانها قبل شهرين من بدأ الحدث، حيث أعلنت شركة «Hummel» لصناعة الملابس الرياضية تصميم قميص المنتخب الدنماركي الثالث لكأس العالم بلونٍ أسود، في محاكاةٍ للحداد على العمال المستضعفين والذين لاقوا حتفهم أثناء تشييد البنى التحتية القطرية. وسبق أن أعلن الاتحاد الدنماركي لكرة القدم في تشرين الثاني الماضي إدانة ما وصفه بـ«أعمال قطر المشبوهة» بكل الطرق الممكنة، وها هو يظهر ذلك من خلال التصميمات.

وقفت الدنمارك مع العديد من المنظمات الحقوقية التي اتهمت قطر بالقسوة تجاه العمال


بعد الإعلان عن القمصان، صرّحت الشركة: «لا ينبغي الخلط بين دعم المنتخب الدنماركي، وبين دعم البطولة التي كلّفت آلاف الأشخاص حياتهم. نودّ الإدلاء ببيان حول سوء سجلّ قطر في مجال حقوق الإنسان ومعاملتها للعمال المهاجرين الذين بنوا ملاعب المونديال في البلاد». تجدر الإشارة إلى صعوبة رؤية الشعار على القميص، وهو ما وضّحته الشركة من خلال القول: «لا نريد أن نُظهر (شعارنا) في بطولة كلّفت حياة الآلاف من الأشخاص».
من جهتهم استنكر منظّمو كأس العالم ما قامت به شركة «Hummel»، وأصدرت اللجنة العليا للمشاريع والإرث في قطر بياناً قالت فيه: «نرفض التقليل من التزامنا الصادق بحماية صحة وسلامة 30000 عامل قاموا ببناء ملاعب كأس العالم ومشاريع البطولات الأخرى».
وتحظّر قوانين «الفيفا» التصريحات السياسية على زي أي فريق خلال بطولة كأس العالم، إلا أن تصميمات القمصان الدنماركية الثلاثة تبدو متوافقة المعايير في ظل عدم وجود كلمات أو رموز تمثل بياناً صريحاً. الجدل لا يزال قائماً حول سماح استخدام قمصان المنتخب الدنماركي من عدمه، مع الترجيح بأن العديد من الدول الأخرى سوف تعبّر عن استنكارها بأساليب مختلفة.



كلفة ليلة المونديال تتجاوز 5 آلاف دولار


يكثّف آلاف العمال نشاطهم في الليل والنهار لتجهيز أماكن الإقامة للسياح والمشجّعين المحتمل وصولهم إلى قطر خلال فترة كأس العالم، والمرجّح أن يتجاوز عددهم المليون زائر. وعلى بعد أربعين كيلومتراً عن لوسيل التي تستضيف المباراة النهائية، يقوم «جيش» من العمال بتجهيز مجمّع بروة براحة الجنوب، تحت الأضواء الكاشفة ليلاً والشمس الحارقة نهاراً. ويتم العمل على تجهيز شقق للجماهير الباحثة عن إقامة بكلفة 84 دولاراً في الليلة الواحدة، للحصول على سرير فولاذي في غرفة مشتركة.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر في المشروع قوله إن مئات الغرف لم تُجهّز بعد وإن العمال منكبّون «في سباق مع الوقت». ويتوقع أن يستوعب مجمع بروة، الواقع تقريباً في الصحراء، أكثر من 7500 زائر، وسيُستخدم لاحقاً لآلاف العمال الأجانب الذين يعملون في قطر. ويشتكي عدد كبير من السياح من الكلفة العالية للمونديال، وستكون هناك ثلاث سفن سياحية في ميناء الدوحة، بمقدورها استيعاب حتى 13 ألف شخص ينفقون بين 179 و800 دولار في الليلة. ومقابل 423 دولاراً لليلة الواحدة، يستطيع المشجعون أن يبيتوا في خيم مكيّفة على شاطئ البحر في الخور، شمال الدوحة، مزوّدة بحمامات داخلية، شاشات تلفزيون وملحقات مترفة. كما يتم نصب ألف خيمة تقليدية حيث يمكن للمشجعين تجربة التخييم على الطريقة القطرية دون تكييف، حيث لم يعلن المنظّمون بعد عن الأسعار. وفيما حجز الاتحاد الدولي (فيفا) 80% من 30 ألف غرفة فندقية في الدوحة، تُعرض بعض الأجنحة في السوق المفتوحة مقابل 5,500 دولار في الليلة.