قبل أيامٍ قليلة خرجت وجوه ألمانيّة معروفة لتحكي عن تغيير لقب المنتخب الألماني وهو «ناسيونال مانشافت». السبب هو أن هذا اللقب الذي يعني «الفريق» لا يدلّ على أي هوية ولا يثير حماسة الجمهور ولا يجذب أيضاً المتابعين.

لكنّ الواقع أن التغيير يجب أن يحصل في مكانٍ آخر لإيجاد هويةٍ فنيةٍ حقيقية للمنتخب بحث عنها منذ زمنٍ طويل وتحديداً في أعقاب إحرازه كأس العالم 2014 في البرازيل. هذا اللقب الذي يبدو بعيداً عنه كل البعد في الفترة الحالية في حال واصل النسج على المنوال عينه.
صحيحٌ أن في هذا الكلام سلبية كبيرة، لكنّ أيضاً هناك تفاؤلاً بأن المدير الفني هانزي فليك يبدو قادراً على تغيير الصورة كليّاً وجعل منتخبه منافساً حقيقياً على اللقب المونديالي الذي يدور في فلك منتخباتٍ متفوّقة فنياً بأشواط على المنتخب الألماني حتى هذه اللحظة.

فليك بسجلّ نظيف ولكن...
إذاً في خضمّ علامات الاستفهام الكثيرة التي تحوم حول المنتخب الألماني عشية مواجهته لغريمه القديم منتخب إيطاليا، تبقى المعنويات مرتفعة والإيمان بفليك حاضراً، فالألمان لم يُهزموا تحت إشرافه في 12 مباراة، لكنهم أيضاً لم يفوزوا (ولم يخسروا) في دوري الأمم الأوروبية بعد 3 مباريات ما يضعهم في موقفٍ صعب في مجموعتهم.
مشاكل «المانشافت» تنقسم إلى قسمين، الأول يرتبط بالشق الدفاعي، إذ إن فليك يعتمد على الضغط العالي لاستعادة الكرة في الخطوط الأمامية، وهذا ما يحتّم على الظهيرين التمركز في موقعٍ متقدّمٍ دائماً لخلق منظومة الضغط مع لاعبي خط المقدّمة.
هذه الطريقة تُعتبر بمثابة سيفٍ ذي حدّين، فهي تفرز خطراً دائماً على حارس المرمى المتألق مانويل نوير الذي واجه 11 تسديدة بينها 7 بين الخشبات الثلاث في المباراة الأخيرة أمام المجر مقابل تسديدةٍ وحيدة لزملائه أصابت مرمى الخصم.

ألمانيا تسعى إلى تغيير لقبها في ظل بحثها عن هويتها


وهنا يطرح سؤالٌ جوهري: هل يجب أن تلعب ألمانيا بثلاثة قلوب دفاع وتبتعد عن طريقتها الكلاسيكية بالاعتماد على خط ظهرٍ مؤلفٍ من أربعة لاعبين؟
ممكن، لكن شرط أن يجد فليك ثلاثياً متناغماً، وهو ما دفعه إلى تغييرات كثيرة في تشكيلته أخيراً معتمداً مبدأ المداورة للوصول إلى الخلاصة المثالية. لكن أيضاً في هذا الشقّ يجب أن يجد قلب دفاعٍ يمكنه خلق الإضافة عبر الكرات الطويلة، تماماً كما كان يفعل جيروم بواتنغ، وهي مسألةٌ لا يبدو قادراً عليها سوى نيكو شلوتيربك وهو أقل المدافعين خبرةً على الصعيد الدولي، ما يجعله غالباً عرضةً للتمرير الخاطئ.

الهجوم موجود وغير موجود
بطبيعة الحال تحكي الأرقام أيضاً قصة الشق الثاني من مشاكل المنتخب الألماني الذي يرتكز اليوم على فلسفة فليك التي تقول بأنه لا يهم عدد الأهداف التي تهزّ شباكك، بل الأهم تسجيل هدف أكثر دائماً. لكن الواضح أنه في غياب الحلول في الخط الأمامي عاد المنتخب إلى زمن المدرب السابق يواكيم لوف بتدويره الكرة كثيراً بعيداً من اللعب المباشر وهو ما تشير إليه نسبة الاستحواذ أمام المجر، حيث وصلت إلى 67% بالنسبة إلى الألمان مقابل 33% للمجريين.
كل هذا في ظل «نومٍ عميق» يغرق فيه رأس الحربة المعتمد غالباً في التشكيلة وهو تيمو فيرنر الذي يعاني من تقلّبٍ في ما خصّ الفعالية الهجومية، الأمر الذي لا يجعله حتماً الخيار المثالي والنهائي في خضم بحث «الماكينات» عن «ماكينة» تهديفية على صورة أفضل هدّاف في تاريخ كأس العالم ميروسلاف كلوزه الذي ترك فراغاً كبيراً منذ اعتزاله.
من هنا، وضع فليك أفكاره وفق طريقتين: الأولى ترتكز على الاستعانة بخبرة توماس مولر لفتح الطرق المغلقة في اتجاه المرمى، والثانية تعتمد على مرونة لاعبٍ مثل كاي هافرتز مثلاً، والذي يمكنه أن يشغل أكثر من مركزٍ هجومي خلال المباراة الواحدة. واللافت أن الحسابات لا يبدو أنها تلحظ حتى الآن تراجع مستوى بعض اللاعبين مثل ليروي سانيه وسيرج غنابري، وعدم حصول آخرين على فرصة حقيقية تبدو مستحقّة مثل لوكاس نميتشا وكريم أدييمي.
وفي ظل كل هذه الصورة غير الواضحة، تبقى الإيجابية الوحيدة في فعالية المدافعين التي جعلت مثلاً يوناس هوفمان هدّافاً بأربعة أهدافٍ في 7 مباريات خاضها أساسياً. لكن كل هذا لا يكفي، إذ إن المنتخب الألماني بحاجةٍ فعلاً إلى هوية فنية عاش من دونها منذ تلك الملحمة المونديالية التي انتهت بوضعه نجمةً ذهبيةً رابعة على قميصه الأنيق في عام 2014.