لم يكن الانتصار اللبناني على أرضية ملعب الملك عبدالله الثاني في العاصمة الأردنية عمّان مجرد محطة عابرة بل هو بالتأكيد وقفة مهمة جداً ستبدّل الكثير على صعيد الحسابات الفنية لمنتخب لبنان وعلى المقاربة العامة في ما خصّ المرحلة المقبلة، إن كان حول البناء على هذا الفوز فنياً أو من خلال عمل الاتحاد اللبناني لتأمين كل ما يلزم من أجل الاستمرار في مواصلة تحقيق النتائج الطيّبة.

هو الأمر عينه الذي ينطبق على المنتخب السوري ومن خلفه اتحاده، حيث انكشف في كل المراكز وباتت الصورة الخاصة بالجهاز الفني بقيادة المدرب نزار محروس سوداوية، وبات الاتحاد أمام مرحلة ضبابية بغضّ النظر عن الأسماء الموجودة في إدارته.
لكن ما يهمّ هو منتخبنا الذي أعطانا بعضاً من حقّنا المهدور في هذه البلاد. أعطانا الحق بالحلم. هو حلم المونديال الذي يمكن أن يتحوّل حقيقةً مع رجالٍ بدوا مستعدّين للقتال باللحم الحيّ حتى الرمق الأخير على أرض الملعب من أجل الفوز على المنتخب السوري قبل أي أحدٍ سواه.
هذا صحيح، فهناك قبل المباراة جلس لاعبان أساسيان جنباً إلى جنب وهما يطالعان وسائل التواصل الاجتماعي، فطفت أمامهما تغريدة «تصغّر» لبنان أمام جارته، بينما تسخر تغريدة أخرى من اللبنانيين عامةً انطلاقاً من تهكّمٍ على إحدى المغنيات اللبنانيات. استُفزّ اللبنانيون من دون شك، لكن لا بقدر اللاعبين الذين عاقبوا جيرانهم بثلاثية رائعة جداً عكست إمكاناتٍ كبيرة لدى «رجال الأرز» القادرين على جعلنا نحلم أكثر، وخصوصاً أن 5 مباريات تنتظرنا على أرضنا في الدور الحاسم من هذه التصفيات المونديالية.

انتصار مثالي ولكن...
لكن في الواقع، لم يكن كل شيء مثالياً على أرض الملعب، والدليل أن سوريا تقدّمت علينا وصعّبت الأمور كثيراً في ظل ضغطٍ متواصل، لكنّ الانتفاضة السريعة قبل نهاية الشوط الأول كانت نقطة التحوّل التي عكست ثقةً كبيرة في نفوس اللاعبين اللبنانيين ليذهبوا إلى فوزٍ هو الخامس فقط في تاريخ لقاءات الفريقين التي تصبّ بفارقٍ شاسعٍ في مصلحة «نسور قاسيون».
عوامل الفوز كانت واضحة ومعروفة وتُختصر بالفكر العالي للمدير الفني إيفان هاشيك الذي واظب على توظيف لاعبيه بالشكل الصحيح من دون تعقيد حياتهم بمَهمات مختلفة، فكان العامل الثاني هو انضباطهم تكتيكياً ومحاولاتهم الدؤوبة لتنفيذ ما طُلب منهم رغم بعض الأخطاء التي ارتُكبت، فكانت النتيجة الإجمالية مثالية، وتزيّنت بتألّقٍ جديد للحارس مصطفى مطر، وبدفاعٍ منيع بقيادة «الفدائي» جوان العمري، وهجومٍ قاتلٍ مع ذاك الشاب المتحمّس دائماً أي محمد قدوح الذي وقّع على هدفين.

المنتخب أعطى الشعب اللبناني بعضاً من حقّه المهدور في هذه البلاد، وهو الحق بأن يحلم


كما يضاف إلى هذه العوامل آخر نفسي بدا واضحاً في كلام اللاعبين الذين عبّروا عن مدى الفرحة المضاعفة التي يشعرون بها وبشكلٍ غير اعتيادي، كونهم انتصروا لأنفسهم ولأبناء وطنهم الذين يعانون مثل غالبيتهم المقيمين في لبنان الأمرّين يومياً لمواصلة الكفاح في ظل أوضاعٍ صعبةٍ جداً تعانيها البلاد.
إذاً الانتصار بدا مثالياً في الصورة، لكنه أيضاً ترك انطباعات مختلفة تفرض تغييرات، منها ما حصل ومنها ما يمكن العمل عليه بشكلٍ حثيث حتى 12 تشرين الثاني المقبل عندما يلتقي منتخبنا مع نظيره الإيراني على ملعب صيدا البلدي.

ملاحظات وحلول
أولى الملاحظات يمكن استنتاجها من حالة الهدف الأول، حيث لم تكن التغطية مثالية من الظهيرين، وهي مشكلة لا بدّ من التنبّه إليها من دون إسقاط المجهود الممتاز الذي قام به كلّ من عباس عاصي في الميمنة وسوني سعد في الميسرة، وهو الذي لم يلعب في مركزه الحقيقي، لكنه رغم ذلك سجّل الهدف الذي منح لبنان الفوز في نهاية المطاف.
أما الملاحظة الثانية التي يمكنها أن تبدّل من الفكرة الأوّلية في استراتيجية هاشيك لخط الوسط هي أنه بإمكان اللاعبين لعب كرة القدم أقلّه في مواجهة المنتخبات العربية التي تؤدي بنسقٍ أقل سرعة من كوريا الجنوبية وإيران، ما يعني أن التغيير الاضطراري الذي دفع فيليكس ملكي خارج الحسابات بسبب الإيقاف يمكن التوقّف عنده، وذلك لناحية عدم اللعب بعددٍ كبير من اللاعبين أصحاب المَهمات الدفاعية حصراً بل أقله إشراك لاعبَين اثنين بأدوارٍ مزدوجة، إذ من الواضح أنّ لدى لبنان أصحاب المهارة الفردية القادرين على مواكبة الهجوم، وأيضاً الذين يمكنهم الدفاع عن أي تقدّم في نتيجة المباراة. كما لا يمكن إسقاط مسألة معرفة اللاعبين اللبنانيين بقدراتهم البدنية التي أعطتهم الأفضلية في الالتحامات المباشرة، إضافةً إلى إجادتهم تطبيق تعليمات هاشيك بالضغط على حامل الكرة بالشكل الصحيح، ما أربك عملية البناء السورية في الكثير من الحالات.
وتبقى ملاحظة مهمة أيضاً في توظيف المهاجمين بشكلٍ مختلف هذه المرّة، وتحديداً قدوح، وهي مسألة يمكن استنتاجها في حالة الهدف الثاني، إذ إن الدور الحرّ الذي لعبه مع المنتخب الأولمبي سابقاً يمنحه مساحاتٍ لا بأس بها للتحرّك، فكان أن تسلّم الكرة وخلق لنفسه المساحة والزاوية المثالية للتصويب مسجّلاً هدفاً رائعاً.
بطبيعة الحال كل ما ذُكر من نقاط يُختصر بتضحية وشجاعة لائحة الشرف المزيّنة بأسماء أبطال المنتخب الذين سجّلوا انتصاراً بأبعادٍ تتخطّى الطابع الرياضي، تبدأ من الناحية الاجتماعية حيث نسي اللبنانيون همومهم لمدة 90 دقيقة، وتنتهي عند الحساسية الكروية والسياسية التي دفعت المشجّعين اللبنانيين للردّ فوراً على كل التهكّمات السورية التي طاولتهم عشية المباراة.