لا نتحدث هنا عن موقفنا من الحرب، وعن رأينا في أي جهة كان يجب أن نكون في تلك الحرب. كرواتيا العنيدة التي وصلت إلى النهائي. كانت قبل 20 عاماً الحصان الأسود في مونديال 1998. صعدت مع الأرجنتين من دور المجموعات، لتلتقي برومانيا وتتفوق عليها بهدف نظيف، لتواجه في دور الثمانية الماكينات الألمانية أكبر منتخب أوروبي حاصل على المونديال، الذي لم يصمد أمام الكروات لتتعطل الماكينات بثلاثية نظيفة. لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئاً: العديد من كبار اللاعبين الكرواتيين نجوا من حروب عدّة في بلدانهم. حين كانوا أطفالاً عاشوا حرب البلقان. أحداث صنعت من هؤلاء الفتية رجالاً قساة.

فلنبدأ من «نجم نجوم» كرواتيا: لوكا مودريتش. عانى ويلات تلك الحرب أكثر من زملائه في الفريق. كان لاعب خط وسط ريال مدريد الذي ساهم مع فريقه في الفوز بأربع بطولات دوري أبطال أوروبا في السنوات الخمس الماضية، يبلغ ستة أعوام فقط، عندما سقطت قريته النائية «مودريتشي» في وسط كرواتيا خلال الحرب. مودريتش الآن يبلغ 32 عاماً. سمي على اسم جده لوكا الذي كان يعتني به بينما كان والداه يعملان لساعات طويلة. في كانون الأول/ديسمبر 1991، فجّرت القوات الصربية قرية مجاورة لمودريتشي وحاصرت الأخيرة. أعدم خمسة من كبار السن من السكان المحليين. فرّ الأفراد الناجون من عائلة مودريتش إلى مدينة زادار وهي عاصمة مقاطعة زادار وإقليم دالماسيا الشمالي على ساحل البحر الأدرياتيكي في كرواتيا، مع العلم أنها لم تكن بالمدينة الآمنة جداً، حيث ألقي فيها الكثير من القنابل اليدوية واخترقتها الطلقات النارية كما أنها كانت مزروعة بالألغام في بعض الشوارع. أمضى «صانع الألعاب» لوكا مودريتش، وشقيقته ياسمينا سبع سنوات في فنادق بدون كهرباء أو مياه. لعب كرة القدم في مواقف السيارات حول الفنادق. كان في عالم بعيد عن حياته الآن، مع زوجة وثلاثة أطفال، وكنجم كرة قدم قد يكون الأفضل في العالم.
أودت حرب البلقان بين 1991 و2001 بحياة مئات الآلاف. شهد زميل مودريتش السابق في توتنهام هوتسبير وأفضل صديق له فيدران شورلوكا أحداثاً عصيبة أيضاً في بلدته موردان الصغيرة في البوسنة. هربت عائلته إلى العاصمة الكرواتية زغرب في 1992... «كان هناك موت ودمار. عندما أتذكر ذلك، تغدو المشاكل الأخرى، صغيرة جداً»، يقول في إحدى مقابلاته. أما مدافع النادي الإنكليزي ليفربول ديان لوفرين، فكان يبلغ 3 أعوام حين فرّت عائلته من البلاد للانضمام إلى جده في ميونيخ. فلوفرين ابن 29 عاماً الآن، ما زال يتذكر ليالي الرعب في قريته كراليغيفا سوتغيسكا: «أتذكر صوت صافرات الإنذار. كنت خائفاً من قنبلة تسقط علينا. ذبح أحد أعمامي بسكين. كنا محظوظين أنه كان لدينا الأوراق اللازمة للانتقال إلى ألمانيا.». الحارس الكرواتي دانييل سوباسيتش، بطل انتصارات ركلات الجزاء الترجيحية عاش الحرب في زادار. وكان شاهداً آنذاك على سقوط القنابل في البيوت.

في الحرب حاصر الصرب قرية مودريش وذبحوا أحد أعمام لوفرين


كما هي حال لوفرين، نشأ مهاجم يوفنتوس ماريو ماندزوكيتش في ألمانيا. هرب هو الآخر. لاعب برشلونة ايفان راكيتيتش نشأ في سويسرا، على الضفة المقابلة، حيث هاجر ألبان أيضاً وبوسنيون. لكن راكيتيش هادئ في حياته كما في الملعب: «نتحدث الكرواتيّة في المنزل ويوجد عدد من الكروات في بلدتنا في سويسرا، لكن لم نعرف أي شيء عن بلدنا الأم، لقد غادر والدي عندما اندلعت الحرب عام 1991 ولم نعد أبداً، ولِدنا أنا وأخي ديان في مولن السويسرية، كانت كرواتيا التي نعرفها عبارة عن صور فقط». عائلة راكيتيتش قصدت سويسرا وصار ابنها لاعباً في بازل ثم تدرج في الفئات العمرية للبلاد. شاهد الطفل «السويسري» أبناء وطن والديه في مونديال 1998 كيف يسطّرون التاريخ مثلما يفعل هو رفقة مودريتش والآخرين في روسيا، وتأثر كثيراً بما فعل رفاق دافور شوكر في مونديال فرنسا. كانت المفاضلة بين سويسرا وكرواتيا تثقل كاهل راكيتيتش خصوصاً أنه كان مقبلاً على تجربة احترافية جديدة مع شالكه الألماني. في النهاية اختار المكان الذي يرنو إليه قلبه.
أطالت الكرة الكرواتية مدّة غيابها عن الساحة. عانت من الفساد حتى أتت موجة تطهير منذ 3 أعوام وحتى الآن، وبعد العديد من الاختيارات الخاطئة الخاضعة للمصالح الشخصية لزدرافكو ماميتش الرجل الذي تحكم في عالم الكرة الكرواتية، أتى مدرب أعاد للجماهير واللاعبين الثقة. زلاتكو داليتش لم يكن الاختيار المحبب للفئة الفاسدة من اتحاد الكرة الكرواتي، نظراً إلى أنه لا يخدم مصالح ماميتش، ولهذا السبب لم يشكك أحد في اختياراته للقائمة وكانوا على تمام الثقة في أنه سيأخذ المنتخب بعيداً ويكسر لعنة سببها الفساد.
داليتش كان مهووساً بكرة القدم. لم يبدأ لعبها فعلياً سوى في 10 من عمره مع شقيقه ميران، وأراد أن يصبح اسمه كبيراً في تاريخ اللعبة. نجح في الفوز ببطولة يوغوسلافيا للشباب مع هايدوك. بعد عامين وبالتحديد في 1984 كانت نقطة التحول في حياة داليتش حيث أنه وقّع على أول عقد احترافي له مع نادي هايدوك. تعرض داليتش للإصابة في التدريبات وخضع لجراحة في زغرب، واستمرت عملية شفائه مدة نصف عام تقريباً، وعاد في النصف الثاني من الموسم. في 1987 قرر الانضمام إلى الجيش. أدى خدمته وعاد إلى نادي هايدوك، بعدها انضم إلى نادي فاليز في الدوري اليوغسلافي. لسوء حظه طرقت الحرب الأبواب. وبدأت كرواتيا عملية استقلالها. في خضم تلك الأحداث كان فريقه في الطريق لخوض مباراة، قبل الوصول انفجرت دبابة أمامهم. الكثير منهم قرر ألا يلعب. بعد ذلك تم تفكيك الدوري اليوغوسلافي. على الجانب الآخر في هايدوك تساءل الجماهير وبعض اللاعبين عن ذلك الفتى داليتش الذي رحل لينضم إلى الجيش، هل هو حي يرزق؟ عاد داليتش إلى النادي بعد انتهاء الحرب. في 1994 دخل مدرسة للمدربين في جامعة زغرب، وأنهى تعليمه في 1998. استمر كلاعب كرة قدم لعامين إضافيين ثم بفضل شهادته عمل كمساعد مدرب في نادي فارتيكس، وبعد ذلك أصبح مديراً رياضياً للنادي وطور قدراته الإدارية تدريجياً، حتى عام 2003 حينما تولى ميروسلاف بلاجيفيتش مهمة تدريب الفريق. بدأ داليتش في العمل كمدير رياضي للمدرب الأسطوري في تاريخ الكرة الكرواتية. في 2017 أصبح رجل المعركة مدرباً جاء بشكل مفاجئ ليقود المنتخب الكرواتي لنهائي المونديال الروسي. مجد 1998 تكرر في 2018. لاعبون بجودة عالية وجيل كبير. أصوات القذائف ما زالت حاضرة في آذانهم، يطردونها بكرة القدم. النهائي ليس بعيداً.