لطالما عانت كرة القدم الأوروبيّة من ظواهر عنصريّة، خاصّة مع ازدياد أعداد اللاعبين من أصول أفريقيّة في أندية الصف الأوّل في القارّة العجوز. تعرّض هؤلاء اللاعبون للهتافات العنصريّة من قبل الجماهير، بسبب بشرتهم السمراء التي لا تشبه بشرة البيض من سكان تلك البلاد، رغم أن بعض هؤلاء السمر صنعوا المجد في أوروبا. تطوّرت ظواهر العنصريّة في الرياضة الأوروبيّة، وبدأت تدخل إلى قلب الأندية والمنتخبات، فيعترض مدربون على وجود لاعبين، وربما هذا ما شكّل جزءاً من قضيّة المهاجم الفرنسي من أصول جزائرية كريم بنزيما مع المنتخب الفرنسي، وتحديداً مع المدرب ديديه ديشان. «لُفِّقت» قصة الشريط والابتزاز لبنزيما، وبرّأه القضاء لاحقاً. لكن ديشان لم يكترث!

منذ تشرين الاول/أكتوبر من عام 2015، يغيب مهاجم ريال مدريد الإسباني كريم بنزيما عن تشكيلة منتخب الديوك الفرنسيّة. لم يشارك مهاجم مدريد في بطولة أوروبا للمنتخبات التي استضافتها بلاده فرنسا في عام 2016، كما أنّ المدرب ديديه ديشان لم يستدعه إلى تصفيات كأس العالم بعد أيّام، ولم يخض مع منتخب بلاده المباريات الوديّة للمونديال خلال هذه السنوات الثلاث. يرفض ديشان بشكل كبير عودة بنزيما إلى المنتخب للمشاركة في نهائيات كأس العالم، معلّلاً ذلك بأن الأمر محض فنّي، وبأنه يريد الحفاظ على مجموعة متجانسة من اللاعبين الذين اختارهم بالفعل. ومنذ عام 2015 تتحدّث الصحافة العالميّة عن أن خيارات ديشان ليست فنّية بل هي شخصيّة، وأنّ الأمر يتعلّق بقضيّة «الشريط الجنسي» لزميله في المنتخب ماتيو فالبوينا، واتهام الأخير لكريم بنزيما بمحاولة ابتزازه من أجل الحصول على أموال في حزيران/يونيو 2015، وأنّه بعد هذه القضية بقليل تمّ استبعاد بنزيما ولم يعد بعدها إلى منتخب الديوك، حتى بعد تبرئته في قبل القضاء الفرنسي.

معظم لاعبي فرنسا خلال السنوات الماضية وفي مونديال روسيا هم من أصول أفريقيّة


اللاعب الفرنسي الذي لعب 81 مباراة دوليّة سجّل خلالها 27 هدفاً، أكّد في أكثر من مناسبة أنّه ليس هناك أسباب مُقنِعَة قد قُدّمت لعدم استدعائه إلى المنتخب، وخاصة أنّه أحرز مع ناديه بطولة دوري أبطال أوروبا مرتين في آخر ثلاثة مواسم. وقال بنزيما إنّه تحدّث قبل بطولة أوروبا الأخيرة إلى ديشان، والأخير «أظهر احتراماً كبيراً ثم رماني خلف ظهره». وكان آخر تصريح لبنزيما حول موضوع استدعائه إلى المنتخب قبل نحو شهرين، حيث لم يَبدُ راضياً أبداً عن قرار المدير الفنيّ للمنتخب الفرنسي، وقال «عمري الآن 30 عاماً، وأعيش بشكل مستقر هنا في مدريد، وإذا ما احتاجوني فهم يعرفون أين أنا». وتعتبر جهات رياضيّة فرنسية أن قضية بنزيما مع المنتخب ومع ديشان هي قضيّة سياسيّة أكثر منها قضيّة رياضيّة، على اعتبار أن تدخلات سياسيّة كبيرة حصلت في القضيّة من جهة سياسيين فرنسيين، في مقدمتهم رئيس الوزراء السابق مانويل فالس. وكانت جهات رياضية قد عزت أمر عدم استدعاء بنزيما إلى المنتخب بسبب عدم رغبته في ترداد النشيد الوطني الفرنسي خلال فترة وجوده مع المنتخب، وعلّل بنزيما الأمر بقوله إنّ النشيد الوطني الفرنسي يدعو إلى الحرب. القضيّة التي تثير جدلاً واسعاً في الأوساط الرياضيّة الفرنسيّة، دخل على خطّها قبل فترة المهاجم الفرنسي ولاعب مانشستر يونايتد السابق إيريك كاتونا، الذي قال إنّ ديديه ديشان لم يستدع بنزيما وحاتم بن عرفة إلى المنتخب بسبب أصولهما العربية.


وبعكس بنزيما وبن عرفة وغيرهما من اللاعبين الفرنسيين من أصول أفريقيّة وعربية، فإن المدرب ديشان يولي اهتماماً كبيراً للمهاجم أنطوان غريزمان لاعب أتليتيكو مدريد، وزميله في المنتخب ولاعب آرسنال الإنكليزي السابق أوليفيه جيرو، رغم أنّ الأخير لا يقدّم المستويات المميّزة مع ناديه في البريميرليغ. وبالنظر إلى قضيّة بنزيما وديشان مع المنتخب، فإن الأمر بحسب الصحافة الفرنسية لا يعدو كونه شخصيّاً، خاصة أنّه لا يوجد لاعب داخل المنتخب الفرنسي يمتلك خبرة المباريات والبطولات الكبيرة كبنزيما، حتى مع وجود غريزمان، ومهاجم باريس سان جيرمان الشاب كيليان مبابيه، ومهاجم مانشستر يونايتد الإنكليزي أنطوني مارسيال.
ومن يعرف كرة القدم الفرنسيّة جيّداً، يدرك تماماً أنّ إدارة اللعبة هناك تفضّل اللاعب الفرنسي على المجنّس، إلا في حال كان «المجنّس» على غرار النجم التاريجي للمنتخب زين الدين زيدان، الذي أهدى منتخب الديوك بطولة العالم عام 1998، وكذلك نجوم كبار كمارسيل ديسايي وباتريك فييرا الذين يقدمون كل شيء للكرة الفرنسيّة، وعند انتهائهم يختفون عن الساحة الكروية في فرنسا. ولو لم يكن زيدان نجماً كبيراً في يوفنتوس، وفي ريال مدريد تحديداً، لربما كان خارج الحسابات الفرنسيّة اليوم في عالم التدريب. وفي ما يتعلّق باللاعبين الأجانب، فإن النجم التاريخي للكرة الفرنسية ميشال بلاتيني، جذوره تعود لإيطاليا وليس لفرنسا، وهذا ما لا يعرفه الكثيرون في فرنسا والعالم. وطبعاً، قد لا يعرفون أيضاً أن غريزمان، هو الآخر من أصول برتغالية.
وفي ظلّ هذه الظروف، تبقى الحقيقة أنّ معظم لاعبي المنتخب الفرنسي خلال السنوات الماضية، وفي مونديال روسيا المقبل، هم من أصول أفريقيّة، أبرزهم بول بوغبا، ونغولو كانتيه، إضافة إلى عثمان ديمبيلي وبليس ماتويدي، وجميعهم يلعب لصنع تاريخ الكرة الفرنسية الحديث. ومعظم هؤلاء اللاعبين هم من الذين قدموا إلى فرنسا من بلدان أفريقيّة كانت في السابق مستعمرات فرنسيّة، وهي اليوم تحت الوصاية الفرنسية التي تسيطر على كل شيء في تلك البلدان، وتستعمرها ثقافيّاً اليوم، فيما تتعاطى مع أبنائها بعنصريّة هناك في باريس وغيرها من المدن الفرنسيّة. ويا لها من مفارقة مؤلمة، أنك لا تستطيع سوى أن تحبّ هؤلاء اللاعبين، ولا يمكن لأحد القبول بالطريقة التي تعامل بها فرنسا الشعوب التي استعمرتها، ولا ترغب في التوقف عن ذلك.


لعنة باريس تحلّ على بن عرفة
يعتبر اللاعب الفرنسي من أصل تونسي حاتم بن عرفة (31 عاماً) أحد أبرز ضحايا نادي باريس سان جرمان والمدرب الإسباني أوناي إيميري. ويغيب بن عرفة عن الملاعب منذ أكثر من عام بسبب خلافات مع إيميري، وهذا ما أثّر عليه سلباً ولم يتم استدعاؤه ليكون مع المنتخب في نهائيات كأس العام المقبلة. وكان بن عرفة قد قدّم أداءً لافتاً مع نادي نيس الفرنسي في المواسم الماضية، وكان مطلوباً لعدد من الأندية. لكنه ذهب إلى باريس سان جيرمان، وشارك في أكثر من 20 مباراة، ولكن خلافاته مع المدرب إيميري قضت على فرصه باللعب مع باريس ومع المنتخب، وبات قريباً اليوم من الرحيل إلى نادي مارسيليا أو إلى الدوري الإنكليزي الممتاز.


«فرحة ما تمت»
استدعى مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشان المهاجم الفرنسي من أصل مغربي وسام بن يدر (27 عاماً) ليكون ضمن تشكيلة منتخب الديوك «غير النهائيّة» المشاركة في نهائيات كأس العالم 2018 في روسيا. وقدّم بن يدر أداءً مميّزاً مع نادي إشبيلية هذا الموسم جعله يلفت أنظار ديشان، خاصة بعد مباراة مانشستر يونايتد ضمن إياب الدور ثمن النهائي لدوري أبطال أوروبا، حيث سجّل هدفين لفريقه. ويعتبر معدل تسجيل بن يدر في المواسم الخمسة الأخيرة 15 هدفاً في الموسم، وهو أمر إيجابي بالنسبة إلى المدرب الفرنسي ديشان. وعند الإعلان عن استدعائه إلى المنتخب للمشاركة في ودّيتي كولومبيا وروسيا اللتين لعبتا في آذار/مارس الفائت، وصف المدرب الفرنسي ديشان بن يدر بأنه «فعال للغاية وله شخصيّة مختلفة، وأنه حيوي ويتحرك كثيراً»، لكنه سرعان ما عاد واستبعده من الذاهبين إلى موسكو في التشكيلة النهائية.