رحل هنري ميشال، لكن المغرب عادت الى كأس العالم. المدرب الفرنسي الطيّب الذكر بالنسبة إلى المغاربة كان على رأس ذاك المنتخب الذي خرج بنظر الكثيرين من مونديال 1998 نتيجة «مؤامرة برازيلية ــ نرويجية» تشبه تلك التي عانتها الجزائر من ألمانيا والنمسا في كأس العالم 1982. لا يهم، فالتاريخ هو تاريخ، لكن المغرب رفضت في التصفيات الأفريقية الخاصة بمونديال روسيا 2018، البقاء في الظل لأكثر من 20 عاماً، فصنع «نجومها» تاريخاً جديداً يتطلع إليه كثيرون من متابعي المونديال والمنتخبات الإفريقية بشكلٍ خاص، إذ يكفي أن يقول صخرة دفاع فرنسا سابقاً مارسيل دوسايي بأن «أسود أطلس» سيكون أفضل منتخبات «القارة السمراء» في المونديال، لنتأكد من أن المغاربة قادرون على الذهاب بعيداً. هم يملكون كل الإمكانات أصلاً: من مدربٍ يعرف لاعبيه جيداً، إلى نجومٍ خطّوا مسيرتهم في أوروبا (ولد 61% من لاعبي المغرب خارج البلاد)، ويعدّون من اللاعبين الأساسيين في صفوف أنديتهم، فساروا على أسسٍ صحيحة في عالم الكرة تخوّلهم بلا شك فرض شخصيتهم على أي خصمٍ كان، وهم الذين لم يعودوا يشعرون أصلاً بأي عقدة تفوّق لأي منتخبٍ عليهم، كيف لا وهم الذين باتت مواجهة النجوم الكبار ضمن مجرى حياتهم اليومية.


إفريقي الهُوية وأوروبي الهوى
يجمع المنتخب المغربي نقاط قوةٍ عدة تجعله من تلك المنتخبات التي يندر رؤية مثيلٍ لها كل يوم، تحديداً في القارة الإفريقية. فهذا المنتخب وإذ يمتاز رجاله بالصلابة والروح القتالية المعروف أنها موجودة في طباع أبناء شمال افريقيا، فهو يختلف عن غيره من حيث النضج الذهني الموجود عند لاعبيه، والمكتسب من تجاربهم الأوروبية التي سهّلت من مهمة المدرب هيرفيه رينار لتلقين لاعبيه الاستراتيجيات التي مكّنته من صناعة الفارق أمام منتخباتٍ افريقية امتلكت هي الأخرى كوكبة من اللاعبين الناشطين في «القارة العجوز».

61% من لاعبي منتخب المغرب ولدوا وتأسسوا كروياً خارج البلاد


ولطالما ردّد رينار بأن قوة منتخبه ليس نجماً واحداً بل الجماعية والمنظومة المندمجة بشكلٍ رهيب، وهو أمر ربما كان محظوظاً بالتنعّم به، إذ إن مدربين كثراً سبقوه الى المهمة لم يشعروا بتلك الكيمياء الموجودة حالياً بين أفراد المنتخب المغربي، والتي تسهّل مهمة أي مدربٍ.
منتخبٌ لا يعتمد فقط على نجومية حكيم زياش أو أمين حاريت ويونس بلهندة ومهدي بنعطية أو أشرف حكيمي، بل تلك الكتلة الدفاعية - الهجومية المتكاملة، والتي جعلت منه المنتخب الوحيد الذي تأهل الى كأس العالم من دون أن تهتز شباكه!

طريقة لعب محدّثة
يلعب المغرب عادةً وفق طريقة لعب يمكن تسميتها بـ «الشمال افريقية»، والمبنية على الصبر في الدفاع والعمل على الهجمات المرتدة السريعة، وهي طريقة ظهرت مع المنتخب الجزائري تحديداً في كأس العالم الماضي. لكن ما فعله رينار في هذا الإطار كان تحسين نوعية اللعب من خلال تحويل دفاع الفريق أكثر عناداً وصلابة، وهو أمر تحكي عنه الأرقام لا الكلمات. أضف إلى هذه النقطة ما ركّز عليه في الحالة الهجومية، وهو جمع أكبر عددٍ من اللاعبين الخلاّقين في تشكيلته، أمثال بلهندة وزياش وحاريت. وزاد عليهم حيوية شابة بوجود حكيمي وحمزة منديل مثلاً في الدفاع، لتكتمل الخلطة مع زرع لاعبين أصحاب خبرة بينهم على غرار بنعطية ومانويل دا كوستا (البرتغالي - المغربي المولد، والذي لعب لمنتخب البرتغال دون 21 عاماً قبل أن يتحوّل للدفاع عن ألوان المغرب).


وعند زياش يمكن التوقّف، إذ يعتبره كثيرون أفضل من مصطفى حجي كلاعبٍ محوري يمكنه قيادة المنتخب نحو انتصارات مرتقبة، فهو بأهدافه الـ 9 وتمريراته الحاسمة الـ 15 التي جعلته أفضل لاعبي هولندا مع اياكس امستردام، يمكنه فعل الكثير، لكن القلق الوحيد هو إذا ما كان سيؤدي بنفس النسق في كل المباريات، وهي نقطة مفصلية في حظوظ المغرب المونديالية.

الجيل الذهبي يكمل العمل
إذاً قطف رينار جيلاً ذهبياً لن يكون عابراً في المونديال من دون ضجيج بحسب توقعات النقاد، ولو أن مجموعته تضم إسبانيا الغنيّة عن التعريف، والبرتغال بطلة أوروبا. جيلٌ نشأ قسمٌ منه في أوروبا وتلقى تعاليمه الكروية الأساسية فيها، بينما أطل قسم آخر على أندية أوروبا من الدوري القوي الذي يقدّم دروساً في تطبيق الاحتراف، والذي صدّر عشرات اللاعبين سنوياً إلى أوروبا فاستفاد المنتخب أولاً من نقلتهم، ووصل «الثعلب» الفرنسي لتثبيت العمل وزرع بذور النجاح في المكان الخصب. وللتأكيد أكثر حول صعود نجم الكرة المغربية، كان فوز الوداد البيضاوي بدوري أبطال أفريقيا، وتوّج المنتخب بكأس الامم الافريقية للاعبين المحليين في البطولة التي استضافها على أرضه. ويضاف الى هذه المسائل تأمين كل ما يطلبه رينار من معسكرات وبنى تحتية بهدف تحقيق النتائج المرجوة. وهذه النتائج مطلوبة أصلاً لتبييض صورة المغرب في الخارج، وهو الساعي منذ أعوامٍ طويلة لوضع نفسه على الخارطة العالمية، فكان أن استضاف مونديال الأندية، الذي اعتبره مقدّمة للفوز بالشرف الأهم ألا وهو تنظيم كأس العالم 2026 (سيُعلن عن الفائز قبل انطلاق مونديال روسيا).
باختصار، الموهبة موجودة ويبقى التنفيذ لإصابة النجاح غير البعيد عن أذهان المغاربة الذين تعود إلى ذاكرتهم اليوم صورة أفضل انتصارٍ حققوه في تاريخ مشاركاتهم في كأس العالم، وكان على حساب البرتغال (3-1) في مونديال 1986. زياش ورفاقه بانتظار كريستيانو رونالدو وأبطال أوروبا.