برغم المساعي الروسية المتواصلة لإحراز تقدّم باتجاه تطبيع العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان، منذ عام 2020، حين أجلست روسيا الطرفين الخصمين على طاولة المفاوضات، يبدو أن الأخيرين قرّرا عقد اتفاق سلام حول ناغورني قره باغ المتنازع عليها برعاية غربية وليس روسية، وهو ما يثير قلق الجانب الروسي الذي يتهم كلاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالسعي إلى «فصل» بلاده عن القوقاز الجنوبي، من خلال محاولتهما «فرض سيطرتهما» على مفاوضات السلام بين ياكو ويريفان.


وفي السياق، أعلنت الرئاسة الفرنسية، اليوم، أن رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، اللذين يجريان مفاوضات مكثفة لإنهاء النزاع بين البلدين، سيلتقيان غداً الخميس في العاصمة المولدوفية كيشيناو، برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولتز، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال.

وتجري هذه المفاوضات على هامش القمة الثانية لـ«المجموعة السياسية الأوروبية» (CPE)، التي تستضيفها مولدوفا غداً، بمشاركة نحو 50 من القادة الأوروبيين، إلى جانب دول أخرى مِن مِثل أرمينيا وأيسلندا وتركيا وصربيا وأذربيجان، وغيرها.

وفيما قال دبلوماسيون أذربيجانيون إن معاهدة للسلام بشأن قره باغ يمكن أن تُبرم في الأول من حزيران على هامش القمة الأوروبية، لم يُشارك الطرف الأرميني التفاؤلات نفسها. وبعد يوم من المحادثات التي استضافتها موسكو، رأت سفيرة أذربيجان في باريس، ليلى عبد اللاييفا، أنه «من الممكن توقيع معاهدة سلام» بين بلادها وأرمينيا، مؤكدة أن محادثات كيشيناو يمكن أن تكون حاسمة. وأضافت أن «هذه لحظة تاريخية وهذا زخم ينبغي عدم تفويته على الإطلاق».

وتكثّفت المفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان في الأسابيع الأخيرة، ما أثمر اتفاق الجانبين في 14 أيار، خلال اجتماع نظمه رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال في بروكسل، على الاعتراف المتبادل بوحدة وسلامة أراضي البلدين. كما جرت محادثات في موسكو الخميس الماضي برعاية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي أكّد أنه «على الرغم من كل الصعوبات والمشاكل التي ما زالت قائمة، إلا أن الوضع يتطور نحو تسوية» نزاع قره باغ.

إلا أن أرمينيا اتهمت أذربيجان، الإثنين الماضي، بالتهديد باللجوء إلى القوة بعد مطالبة رئيسها بحلّ الحكومة المحلية «الانفصالية» في قرة باغ، وهو ما يمكن أن يؤثر سلباً على المفاوضات الأوروبية غداً. وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية الأرمينية، نقلته وكالة أنباء «أرمن برس»، أن علييف يطلق «تهديدات بالإبادة الجماعية» و«يمهد الطريق لعمل عدواني آخر ضد سكان ناجورنو قرة باغ»، وذلك في أعقاب حديث للرئيس الأذربيجاني، الأحد الماضي، قال خلاله إنه حان الوقت للأرمن لأن يتخلّوا عن «أوهام» استقلال قرة باغ. وأضاف في خطاب بثّه التلفزيون الرسمي في أذربيجان: «هذا يعني الالتزام بقوانين أذربيجان وأن يصبحوا مواطنين عاديين ومخلصين وإلقاء رموز الدولة الزائفة في القمامة وحل ما يسمى بالبرلمان».

وبينما لم تعلّق موسكو على محادثات الغد، اتّهمت مراراً كلّاً من الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي بالسعي إلى «فصل» بلاده عن القوقاز الجنوبي، فضلاً عن محاولة «تقويض الهيكل الأمني» في هذا الجزء من العالم، وبالسعي إلى «فرض سطوتهما على المفاوضات» بين باكو ويريفان، وهو ما جاء على لسان وزير خارجيتها أخيراً خلال محادثات جمعته مع نظيره الأرميني، أرارات ميرزويان، في موسكو حيث قال: «نرى بوضوح أهداف الغرب في جنوب القوقاز، فهو لا يخفيها ويعلنها صراحة: أهدافه هي فصل روسيا عن المنطقة».

إلى ذلك، علّق خبير «نادي فالداي» الروسي، ستانيسلاف تكاتشينكو، وهو أستاذ في قسم الدراسات الأوروبية في كلية العلاقات الدولية في جامعة سان بطرسبورغ، على احتمال توقيع اتفاقية للسلام بين البلدين الخصمين في مكان ما في أوروبا، قائلاً إنها «لا ينبغي أن تقلقنا». وأضاف: «عملت ثلاث جهات فاعلة على مسعى السلام في منطقة القوقاز: روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. من حيث المبدأ، يمكن وصف جهودنا بالمتكافئة. وهذا أمر يذكرونه في أرمينيا وأذربيجان».

وإذ أشار إلى أنه «من المهم لباكو ويريفان أن تظهرا أنهما مستقلتان في العمليات الدولية العالمية عن موسكو»، رأى تكاتشينكو أن الصفقة مع باكو ستثير بالتأكيد احتجاجات المعارضة في يريفان، قائلاً: «في رأيي، لا يمكن تجنب استياء الناس في أرمينيا. موضوع ناغورني قره باغ مهم للغاية بالنسبة للسكان المحليين من وجهة نظر تاريخية وسياسية. ومع ذلك، فإن السأم من الحرب في المجتمع آخذ في الازدياد. تدريجياً، يسود فهم أن يريفان غير قادرة على تغيير مسار الصراع في الوقت الحالي».

وبالنسبة إلى مولدوفا، يشكّل هذا التجمع محطة مهمة وفرصة للتعبير مجدداً عن إرادتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في أقرب فرصة، وهو ما عبّرت عنه الرئيسة مايا ساندو، قبل أيام، بقولها إن «روسيا ستبقى مصدراً كبيراً لعدم الاستقرار في السنوات المقبلة وعلينا حماية أنفسنا»، مشيرة إلى أنه «لا يمكننا إنقاذ ديموقراطيتنا إلا من خلال أن نكون جزءاً من الاتحاد الأوروبي».

وفي الإطار، رأى سيباستيان مايّار، مدير معهد «جاك ديلور» في باريس، أنه «يجب رؤية من في الصورة (المشاركون)، لكن أيضاً من ليس موجوداً» في القمة الأوروبية، مؤكّداً أنها «مناسبة أيضاً لإظهار أن الأوروبيين يناقشون مصالحهم الاستراتيجية في ما بينهم من دون الأميركيين».