موسكو | مع قرار ألمانيا تزويد أوكرانيا بدبّابات «ليوبارد 2»، والذي يترافق مع قرارٍ مماثل اتّخذته الولايات المتحدة بتزويد حليفتها بدبّابات «إم 1 - أبرامز»، تدْخل الحرب الدائرة بين روسيا والغرب فصلاً تصعيدياً جديداً، عنوانه، بحسب ما ترى موسكو، الإصرار على إلحاق هزيمة استراتيجية بها، على رغم تأكيد واشنطن وبرلين أن خطوتهما لا تعني تحوّلهما إلى طرف في الصراع الجاري مع كييف. ومع أن القوى الغربية تأمل أن تُحدث خطواتها تلك انقلاباً كبيراً في الموازين العسكرية، يحول دون «فوز فلاديمير بوتين بهذه الحرب» على حدّ تعبير الأمين العام لـ"الناتو"، إلّا أن الخبراء العسكريين الروس لا يرون أن الدبّابات الهجومية الغربية ستُحدث انقلاباً من هذا النوع، معتقدين أن الجيش الروسي والتشكيلات الموالية له سيستطيعان التعامل مع الأسلحة الجديدة المورّدة إلى الأوكرانيين


في ظلّ تقدُّم القوّات الروسية على جبهة دونباس، وفتْحها جبهة زابوروجيا في جنوب أوكرانيا، وإقرار كييف بصعوبة الوضع العسكري، تُواصل الدول الحليفة للأخيرة مخطّط دعمها عسكرياً. وفي هذا الإطار، جاء قرار ألمانيا تزويد الأوكرانيين بدبّابات «ليوبارد 2»، بعد كثير من الأخذ والردّ حيال هذا الإجراء، وذلك بموجب توافُق مع الولايات المتحدة على تسليم دبّابات «أم 1 - أبرامز» الأميركية أيضاً، بالمُوازاة. وقال المستشار الألماني، أولاف شولتز، في بيان، إن القرار «يأتي استكمالاً لدعمنا المعروف لأوكرانيا قدْر استطاعتنا. نتحرّك بأسلوب منسّق عن كثب على المستوى الدولي»، مضيفاً أن الخطوة تجيء بالتنسيق مع فرنسا «لأنّنا لا نتصرّف في هذا الملفّ بمفردنا». وأعلن شولتز أنه سيَجري تدريب قوّات أوكرانية في بلاده، مبيّناً أن برلين ستقدّم لكييف مواد لوجستية وذخيرة، و14 دبّابة من طراز «ليوبارد 2» من مخزونات الجيش لديها، إضافة إلى أنظمة دفاعية وأنظمة «باتريوت». وعلى رغم ما تَقدّم، جدّد المستشار الألماني تمسّك بلاده بوجوب تجنُّب التصعيد بين روسيا و«حلف شمال الأطلسي». وبينما أوضح وزير الدفاع الألماني الجديد، بوريس بيستوريوس، وفق ما نقلت عنه وكالة «رويترز»، أن الدبّابات المنويّ نقْلها لن تكون قابلة للتشغيل قبل 3 أو 4 أشهر، خرجت أصوات ألمانية معترِضة على الإجراء المذكور. إذ حذّر رئيس اتّحاد القوّات المسلّحة الألمانية، أندريه فوستنر، من أنه «سيكون لتسليم Leopard 2 تأثير سلبي على القدرة الدفاعية لألمانيا»، مضيفاً أن القرار «أمر جيّد بالنسبة لأوكرانيا، ولكنه سيّئ للجاهزية القتالية للجيش الألماني»، داعياً حكومة بلاده إلى تعزيز صناعة الدفاع في ألمانيا.
أمّا روسيا، فلم تَجد في القرار الألماني إلّا خطوة إضافية على طريق تصعيد الصراع الدائر في أوكرانيا. وقال المتحدّث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن «الدبّابات الأميركية والألمانية ستحترق مثل غيرها»، معتبراً أن «فكرة إمداد أوكرانيا بدبّابات أبرامز الأميركية فاشلة لأسباب تكنولوجية». ونبّه بيسكوف إلى أن «الشعب الأوروبي هو مَن سيتحمّل عبء توريد الدبّابات لأوكرانيا، بينما سيجني الأميركيون أرباحاً جيّدة»، واصفاً «الدعوات الغربية إلى مواصلة دعْم القوّات الأوكرانية من أجل الأمن في القارّة الأوروبية» بأنها «سخيفة»، كاشفاً أن «موسكو لا تتفاوض مع برلين على خلفيّة التسليم المحتمَل للدبّابات الألمانية». وأشار إلى أن «الوضع في العالم متوتّر للغاية، وآفاق الانفراج غير مرئيّة بسبب تصرّفات واشنطن وحلفائها في الناتو»، مضيفاً أن «إمكانية التوصّل إلى تسوية ديبلوماسية للنزاع في أوكرانيا غير مرئيّة أيضاً». وفي الاتّجاه نفسه، اعتبرت وزارة الخارجية الروسية أن «تزويد أوكرانيا بدبّابات ألمانية جزء من مخطَّط مسبق لشنّ حرب على روسيا»، متابعةً أن «الولايات المتحدة تجرّ أوروبا إلى حرب كبيرة». ووصف السفير الروسي في ألمانيا، سيرغي نيتشايف، بدوره، قرار برلين بأنه «خطير للغاية»، محذّراً من أنه «سينقل الصراع إلى مستوى جديد»، لافتاً إلى أن «موسكو مقتنعة بأن برلين ليست مهتمّة بحلّ ديبلوماسي للأزمة الأوكرانية، تماماً مثل أقرب حلفائها». كذلك، نبّه رئيس الوفد الروسي في محادثات فيينا، كونستانتين جافريلوف، إلى أن إطلاق كييف قذائف اليورانيوم من دبّابات «ليوبارد 2»، ستَعتبره موسكو استخداماً للقنابل النووية القذرة، موضحاً أن «الدبّابة الألمانية قادرة على إطلاق قذائف "برادلي" و"ماردر" الخارقة للدروع، ونعلم أنه يمكن تثبيت رؤوس يورانيوم على قذائفها، وإذا ما تمّ استخدامها فيمكن أن يؤدّي ذلك إلى تلوّث البيئة، كما حدث في يوغوسلافيا والعراق».

التفّت المعارضة التركية حول إردوغان تلافياً لاستغلال حوادث التوتّر الأخيرة ضدّها


وتأتي خطوة برلين في ظلّ سريان معلومات عن وضْع الولايات المتحدة، بدورها، اللمسات الأخيرة على خطّة لتسليم أوكرانيا دبّابات «أبرامز»، التي ذكرت وكالة «بلومبيرغ» أن واشنطن سترسل منها 31 دبّابة إلى كييف مقابل 400 مليون دولار. وعلى رغم التحذيرات الروسية من خطورة الخطوتَين الأميركية والألمانية، إلّا أن الخبراء العسكريين الروس يؤكدون أنه لن يكون لهما أيّ تأثير جدّي على سيْر المعارك في أوكرانيا. وفي هذا الإطار، يقول الخبير العسكري، إيغور نيكولين، في تصريح إلى صحيفة «إزفستيا»، إن «الجيش الروسي لن يواجه أيّ مشكلات مع هذه الدبّابات. سوف يحترقون مثل الألعاب»، فيما يلفت محرّر مجلّة «ترسانة الوطن»، أليكسي ليونكوف، إلى أن «الأكراد في سوريا أحرقوا دبّابات "ليوبارد 2" التي يمتلكها الجيش التركي، ما جعل الفيلق الثاني في هذا الجيش يوقف العملية الهجومية البرّية التي شاركت فيها الدبّابات، ويهاجم الأكراد عن بُعد بالمدفعية وأنظمة الصواريخ». ويرى ليونكوف، في تصريح إلى صحيفة «فزغلياد»، أن «ظهور 200-300 قطعة إضافية من العتاد لدى القوّات المسلّحة الأوكرانية، على الرغم من أنه سيشكّل خطراً معيّناً، فلن يكون قادراً على إحداث تغيير كبير في العملية العسكرية الخاصة»، مستدركاً بأن «هذا سيسمح للغرب بحلّ مشكلة أخرى، ألا وهي إطالة زمن المواجهة قدر الإمكان؛ فكوْن العدو غير قادر على الفوز في ساحة المعركة، فهو يراهن على تحويل النزاع المسلّح إلى "حرب استنزاف" تقوّض روسيا وقدراتها العسكرية والاقتصادية». من جهته، يؤكد المدير العلمي لـ«نادي فالداي الدولي»، فيودور لوكيانوف، أن روسيا «لن تهدّد بإجراءات انتقامية فحسب، بل ستطبّقها أيضاً»، مشدّداً على ضرورة «استهداف طُرق الإمداد ومستودعات الأسلحة المورّدة، لأنه إذا واصلت روسيا التغاضي عن الإمدادات، فإن مخاوف الغرب ستختفي».
ميدانياً، أعلن القائم بأعمال رئيس «جمهورية دونيتسك الشعبية» المعلَنة من جانب واحد، دينيس بوشيلين، أن قوات «فاغنر» تتقدّم في مدينة أرتيوموفسك (باخموت بالأوكرانية)، وأن القتال يدور في أحياء سكنية كانت تحت سيطرة كييف.
وأضاف بوشيلين أن الاستيلاء على سوليدار جعل من الممكن اعتراض طُرق الإمدادات الأوكرانية، والسيطرة على بعض المناطق التي كان ينفّذ منها الأوكرانيون «أعمالاً انتقامية». في المقابل، أقرّ المتحدّث العسكري في شرق أوكرانيا، سيرغي تشيريفاني، بانسحاب الجيش الأوكراني من مدينة سوليدار، بعد إعلان روسيا قبل أسبوعَين الاستيلاء عليها.