تُلخّص وثيقة هيئة أركان جيش العدو، والتي أماطت اللثام عنها صحيفة «هآرتس»، المنهج الذي تسلكه الأولى في التعامل مع المتغيّرات الدولية والإقليمية، وأحدثُها الحرب الروسية - الأوكرانية، وكيفية اشتغالها على استخلاص العِبَر منها، واستشراف المسارات المستقبلية الاستراتيجية والعملياتية من خلالها. ووفق ما سُمح للصحيفة بنشره، فقد أحدثت هذه الحرب «تحوّلاً استراتيجياً في الساحة الدولية والشرق الأوسط»، يتمثّل أحد أهمّ وجوهه في إلزامها «الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بتبنّي نهج أكثر تشدّداً ضدّ التوسّع الروسي، وتركيز مصلحة الغرب في أوروبا الشرقية (بالإضافة إلى الصين) على حساب الشرق الأوسط»، وهو المتغيّر الذي أصبح يحتلّ رأس اهتمامات الكيان بكلّ مؤسّساته، تقديراً واستشرافاً واستعداداً.

وتكمن خطورة التقدير المتقدّم، في كوْن الولايات المتحدة، بالنسبة إلى إسرائيل، أصبحت تتبنّى أولويات بعيدة عن هذه المنطقة، ما يُلزمها بتجنُّب التورط في خيارات عسكرية كبرى هنا. ويُعدّ هذا المستجدّ، من وُجهة نظر الجهات المختصّة في الكيان، ذا تأثير كبير على قوّة الردع الإسرائيلية، التي ترتكز في ما ترتكز إليه، إلى نظيرتها الأميركية في المنطقة، وهو ما يوجب على جيش الاحتلال تفعيل مستوى من الاستعداد العسكري، يأخذ في الحسبان محدودية الانخراط الأميركي، أو على الأقلّ الالتزام بسقوف تَحرص واشنطن على عدم تجاوُزها. وممّا يضاعف حاجة تل أبيب إلى ملاءمة استراتيجيتها مع المتغيّرات الأحدث، هو أن هذه الأخيرة خارجة عن نطاق إرادتها، ومتّصلة بمصالح دول كبرى، وساحات بعيدة عنها جغرافياً، ولكن تأثير الديناميات الحاصلة فيها يصل إليها وإلى ومحيطها.
في هذا السياق، تَعتبر وثيقة الجيش أن التقارب بين طهران وموسكو، كجزء من ديناميات الحرب الأوكرانية، يُعدّ من أخطر السيناريوات في حال اكتمال معالمه وتطوّره إلى تحالف. ذلك أن تعزيز العلاقات بين الطرفَين سيوفّر لإيران هامشاً أوسع (إلى جانب علاقاتها الأخرى مع الشرق) في مواجهة الحرب الاقتصادية التي تتعرّض لها، كما وسيسهم في تعزيز قدراتها العسكرية والاستراتيجية بما من شأنه تسريع مسار انقلاب موازين القوى الإقليمية. وممّا يعمّق المخاطر هنا بالنسبة إلى إسرائيل، هو أن تأثير الأخيرة قد يكون محدوداً على المسار المُشار إليه، بالنظر إلى أن حجم المصالح التي باتت تربط روسيا بإيران، والمخاطر التي تواجهها الأولى، وحاجتها الملحّة إلى الثانية، تُعدّ أكبر من الحسابات الإسرائيلية. ولذا، لن يكون أمام تل أبيب إلّا محاولة التكيّف مع اعتبارات القيادة الروسية، بهدف الحدّ من مخاطرها.
من جهة أخرى، تتضمّن الوثيقة نموذجاً تطبيقياً لسيناريو الحرب التي تحاول الجهات المختصّة استشراف معالمها، بهدف تحسين استعداداتها لها. وفي هذا الإطار، يأتي ما نقلتْه صحيفة «هآرتس»، عن الأركان العامّة، من أنه «لا يجب أن نتخيّل الحرب القادمة، إنها موجودة بالفعل هنا أمام أعيننا»، في إشارة إلى الحرب الأوكرانية التي تحوّلت إلى «مختبَر قتالي واسع، تتمّ مراقبته من قِبَل معظم جيوش العالم من أجل تمييز التطوّرات المستقبلية»، بحسب الوثيقة أيضاً. لكنّ جيش العدو أجملَ بعض الظواهر الأساسية التي يرى أنه سيُواجهها في أيّ حرب قد تندلع في المنطقة، ومن بينها «إنتاج أكبر عدد من الأسلحة الدقيقة من صواريخ ومسيّرات، وإغراق السماء بطائرات من دون طيّار، والحرب السيبرانية والطيفية (الإلكترونية)، وعمليات الحرب النفسية ونشْر الذكاء الاصطناعي». وفي ضوء حضور هذه المزايا والأدوات والتكتيكات، سيكون على الجيش ملاءمة قدراته وأدواته بما يتلاءم مع هذه المتغيّرات التي أصبحت السِّمة العامة لحروب المستقبل، في ما يستبطن إقراراً بالمنافسة العلمية والتكنولوجية التي تشكّل أحد أهمّ مجالات سباق الجهوزية مع محور المقاومة بقيادة إيران.
الأكيد أن الوثيقة تتضمّن أكثر ممّا أوردتْه «هآرتس»، خاصة أنها تعود إلى الجيش، وتتناول بشكل رئيس المخاطر والفرص التي أنتجتْها الحرب الروسية - الأوكرانية، سواء بالنسبة إلى إسرائيل أو أصدقائها أو أعدائها. ولذا من الطبيعي أن تشتمل تقديرات الجيش على ما سيُواجه الكيان العبري بعد انكشاف جانب من الدور الرئيس للمسيّرات الإيرانية في تلك الحرب، من دون إغفال ترقُّب المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية لمفاجآت عسكرية وعملياتية تتجاوز ما ظَهر حتى الآن. على أن العِبرة الأهمّ في ما تَقدّم، تتمثّل في تطوُّر النظرة الإسرائيلية إلى أيّ حرب عمّا كانت عليه قبل سنوات معدودة، في ما يجلّي أثر التحوّلات الناتجة من المنافسة القائمة بين دولة الاحتلال ومحور المقاومة، ويشكّل أحد مصاديق المفاجآت التي يجد العدو نفسه ملزَماً بمواصلة ملاءمة قدراته معها. وبالنتيجة الإجمالية، يمكن القول إن ثمّة إقراراً إسرائيلياً بتطوّر معادلات الردع الاستراتيجي لمصلحة «المحور»، وإنْ تفاوتت الحسابات ما بين ساحة وأخرى.