شهدت الساحات الإقليمية والعالمية، حديثاً، سلسلة متغيّرات متفاوِتة الأهمّية والتأثير على تقديرات القيادة الإسرائيلية وخياراتها إزاء بيئتها الإقليمية. ومن ضمن هذه المتغيّرات عودة بنيامين نتنياهو المرتقَبة إلى السلطة على رأس حكومة يمينية متطرّفة، بما يحمله من تجربة طويلة في رئاسة الحكومة استمرّت حوالي 15 عاماً وصولاً إلى عام 2021، وشهدت الكثير من التطوّرات التي مثّل كلّ منها محطّة اختبار له. ولعلّ من أهمّ الخلاصات التي يمكن أن تُجمل تلك التجربة، حرْص زعيم «الليكود» على إبراز صورة «إسرائيل القوية»، وأحياناً بشكل مبالَغ فيه، ولكن أيضاً، حرصه الموازي على عدم التورّط في مغامرات عسكرية كان يُقدِّر أنها ستؤدي إلى مواجهة كبرى في المنطقة. هكذا، التزم بمعادلات الردع التي أرساها «حزب الله» في لبنان وخارجه، وامتنع في لحظة الاختبار العملي عن مهاجمة البرنامج النووي الإيراني عسكرياً على رغم تهديداته المتواصلة بذلك، فيما البديل الذي اكتفى به هو العمليات الأمنية، التي، وإنْ نجحت تكتيكياً عبر بعض الضربات الموضعية، إلّا أنها فشلت استراتيجياً كونها لم تُحقِّق المؤمَّل منها في إحباط تقدُّم إيران النووي، أو ردْعها عن المُضيّ فيه.

ولربّما مِن أبرز مَن تناولوا منطق نتنياهو الاستراتيجي، ومِن موقع التجربة في الغرف المغلَقة التي تُطبخ فيها القرارات الكبرى، رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، اللواء تامير هايمن (2018 - 2021)، الذي عقّب على الأسئلة المطروحة راهناً على أبواب تشكيل حكومة تضمّ شخصيات فاشية، بالقول: «نتنياهو صاحب خبرة أمنية، ويُعتبر محافظاً وحذِراً في سلوكه» (إسرائيل اليوم 6/11/2022). وعلى هذه الخلفية، تناوَل بعض الخبراء الإسرائيليين، أيضاً، استراتيجيته بالانتقاد، على اعتبار أنها لم تمنع تراكُم ترسانة «حزب الله» العسكرية والصاروخية وتطوُّرها، ولا كبحت جماح البرنامج النووي الإيراني. ومردّ تلك النتيجة، أن نتنياهو ينطلق، في تقديراته وخياراته، من حسابات دقيقة لمعادلة الكلفة والجدوى التي دائماً ما حكمت أداءه وضبطتْه، وهو ما لا يُتوقّع أن يتغيّر؛ إذ لم يمضِ على غيابه سوى سنة وبضعة أشهر، فيما المعادلات التي كانت قائمة في عهده لا تزال كما هي، بل وتَعزّزت أيضاً، ما يعني أنها ستفرض نفسها على طاولة أيّ حكومة إسرائيلية.
على المستوى الدولي، انفجرت الحرب الروسية - الأوكرانية، مُتقدِّمةً على جدول أعمال الولايات المتحدة، من دون أن تزيح المواجهة مع الصين عن قائمة الأولويات. وفي الوقت نفسه، واصلت إيران تطوُّرها النووي، وأصبحت، بحسب وزير الأمن الإسرائيلي بني غانتس، على مسافة أسبوعَين من إنتاج المواد الانشطارية التي تحتاج إليها القنبلة النووية، لو أرادت ذلك، فيما أضحى تطوُّر قدراتها العسكرية، وحلفائها في «محور المقاومة»، أكثر حضوراً في حسابات إسرائيل. ولعلّ من أبرز تداعيات تلك المتغيّرات وغيرها، أنها تُقلِّص من تأثير تبدُّل رؤساء الحكومات الإسرائيلية على خيارات العدو العملياتية ضدّ إيران، والأهمّ أنها تنقل مركز الثقل في هذه القضية إلى الجيش، الذي تُعدّ توصياته غير مُلزمة قانونياً للحكومة، ولكن تَصعب مخالفتها، وأيضاً إلى الولايات المتحدة.

أثبت نتنياهو حرصه على عدم التورّط في مغامرات عسكرية يُقدِّر أنها ستؤدي إلى مواجهة كبرى


لا يتعارض ذلك مع حقيقة أن دولة الاحتلال تملك القدرة على توجيه ضربات عسكرية إلى إيران، لكن المسألة تتّصل بالمخاطر التي تُواكب أي عملية من هذا النوع في ظلّ تطوُّر القدرات الإيرانية الصاروخية والدفاعية، والجدوى المُتوقَّعة منها في التأثير على برنامج طهران النووي الذي أصبح أكثر تحصُّناً وتطوُّراً، والأهمّ افتقاد من يفكّر بها إلى القدرة على مواجهة الردود العسكرية الدقيقة التي ستستهدف عمقه الاستراتيجي والحال هذه، فضلاً عن امتلاك الجمهورية الإسلامية القدرة التكنولوجية على الردّ بدفْع برنامجها النووي إلى مستويات غير مسبوقة. باختصار، لا تقدر إسرائيل على إعادة البرنامج النووي الإيراني سنوات إلى الوراء، كما أنها تفتقر إلى الأجوبة على أسئلة «اليوم الذي يلي» أيّ عدوان واسع، وهي الإجابات التي يشدّد رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، اللواء عاموس يادلين، على ضرورة امتلاكها، وإلّا فإن نتائج أيّ ضربة عسكرية ستكون مغايرة لما هو مؤمَّل إسرائيلياً.
انطلاقاً من هذه الحقائق، لا تزال مواقف كبار القادة العسكريين والأمنيين الحاليين والسابقين مُعارِضة للتفرّد بقرار مهاجمة إيران، ومن بين هؤلاء قائد سلاح الجوّ الأسبق، إيتان بن إلياهو، الذي اعتبر أن استعدادات لهجوم كهذا «تجري بتأخير سبع أو ثماني سنوات تقريباً»، وأن هذا الخيار «أصبح أقلّ أهمية اليوم بسبب الوضع الذي نتواجد فيه، وهو أن المسألة كلّها بين إيران والأميركيين». ورأى بن إلياهو، الذي شارك في تدمير البرنامج النووي العراقي عام 1981، أن واشنطن تهدف من وراء المناورات المشتركة مع تل أبيب إلى القول: «إنّنا معكم وأنتم لا يمكنكم القيام بذلك وحدَكم». وإذ أكد أن إسرائيل لن تهاجم إيران من دون الأميركيين، فقد أشار إلى جملة من الأسئلة الملحّة، وعلى رأسها: «هل الظروف ملائمة لتنفيذ هجوم؟ نعم. وهل الإنجاز المتوقّع هو على الأقلّ مِثل الإنجاز المطلوب؟ والسؤال الثالث: هل سنحقّق الإنجاز المطلوب من خلال الهجوم». هنا، يبدو أن امتناعه عن إجابة السؤالَين الأخيرَين، ينبع من إدراكه أن إسرائيل أعجز من أن تُحقّق ذلك، وأن الأمل معقود لديها على مشاركة أميركية فاعلة، تُدرك واشنطن أنها ستُورّطها في حرب يتمّ خلالها استهداف كلّ المصالح الأميركية في المنطقة.