طهران | تزامناً مع الاضطرابات التي تشهدها المدن الكردية غربي إيران، كثّف «الحرس الثوري»، في الأيّام الماضية، هجماته بالصواريخ والمسيّرات الانتحارية على مقارّ الأحزاب الكردية الإيرانية المسلّحة المنتشرة في إقليم كردستان العراق، والتي يبدو أنها ستستمرّ حتى إزالة هذه المقارّ بالكامل. واستهدَف «الحرس»، هذا الأسبوع، مقرّات كلّ من «الحزب الديموقراطي الكردستاني» في كوي سنجق في إربيل، وحركة «كوملة» في محافظة السليمانية، و«حزب كردستان الحرّ» (باك) في بلدة التون كوبري الواقعة بين إربيل وكركوك. وتعليقاً على الجولة الثالثة من الهجمات التي أكدت وقوعها وسائل الإعلام التابعة للأحزاب المعارضة، قال وزير الخارجية الإيراني، حسین أمیر عبد اللهیان، أوّل من أمس، إن «عمليّاتنا ضدّ الجماعات الإرهابية في كردستان العراق ستتواصل ما دام التهديد الأمني مستمرّاً». وفي الإطار نفسه، أكد قائد القوات البرّية لـ«الحرس»، محمد باكبور، أن هجمات قوّاته ضدّ «المجموعات الإرهابية الانفصالية المُعادية لإيران، في إقليم شمال العراق، ستتواصل حتى تتمّ إزالة التهديد ونزْع سلاح الإرهابيين»، داعياً أهالي المنطقة إلى «الابتعاد عن المناطق المحيطة بمقارّ ومراكز انتشار» هؤلاء. وجاء تنفيذ الجولة الجديدة من الضربات، في وقتٍ شهدت فيه بعض المدن الكردية الإيرانية غربي البلاد، بما فيها مهاباد وجوانرود وبيرانشهر، اضطرابات واشتباكات عنيفة، جدّدت طهران اتّهام المجموعات الكردية المسلّحة («الديموقراطي» و«بيجاك» و«كوملة» و«باك») بالضلوع فيها، فضلاً عن تحميلها الأخيرة مسؤولية تهريب السلاح إلى داخل البلاد من إقليم كردستان.

وكانت الاضطرابات التي اندلعت عقب وفاة الشابة مهسا أميني انطلقت، للمرّة الأولى، من مدينة سقز الكردية، وتمدّدت في مختلف المدن الكردية الإيرانية، على مدى الأشهر الأخيرة. ويبدو أن إيران تعتزم، من خلال مُواصلة هجماتها على إقليم كردستان العراق من جهة، والتشاور مع السلطات العراقية من جهة أخرى، القضاء على أرضيّة تحرّكات المجموعات الكردية المسلّحة بالكامل، إذ أعلن السفير الإيراني في بغداد، محمد کاظم آل صادق، يوم الإثنين، أن بلاده أمهلت الحكومة العراقية وسلطات الإقليم 10 أيّام، لـ«نزع سلاح الأحزاب الكردية الإيرانية». وأشار آل صادق إلى الزيارة التي قام بها قائد «قوّة القدس» في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، الأسبوع الماضي، إلى العراق، حيث طلب من الحكومة تحديد «جدول زمني» لنزع سلاح المجموعات الكردية المعارِضة للجمهورية الإسلامية، مؤكداً، في مقابلة مع قناة «العالم» الإيرانية الناطقة باللغة العربية وقناة «العهد» العراقية، أن بغداد وافقت على مطلبَي إيران: نزع سلاح المعارِضين، وإعادتهم إلى المخيّمات كـ«لاجئين»، لكنّها طلبت مُهلة لنزع السلاح. وفيما لم يَذكر موعد بدء مهلة الـ10 أيام، رفض، في الوقت ذاته، احتمال أن تشنّ إيران هجوماً بريّاً على إقليم كردستان العراق، واعتبره غير وارد.
وندّدت الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، كلّ على حدة، بالهجمات الإيرانية، واعتبراها «غير قانونية». کما دانت وزارة الخارجية الأميركية، من جهتها، العمليات باعتبارها «غير مسؤولة وتنتهك وحدة الأراضي العراقية». لكن الجمهورية الإسلامية تقول إنها حذّرت، في وقت سابق، بغداد وإربيل من تحرّكات المجموعات المسلّحة، من دون أن تتّخذ الأخيرتان أيّ إجراء لإزالة التهديد المُحدق بإيران، التي تَعتبر أن وجود هذه المجموعات في المناطق الحدودية المتاخمة لأراضيها، يشكّل انتهاكاً لسيادتها وخرقاً لأمن حدودها ومساساً بأمن مواطنيها. ويُقلق إيرانَ تربُّص المجموعات الكردية المسلّحة بها، تزامناً مع استمرار الاضطرابات الداخلية، إذ تخشى خصوصاً شنّ تلك الأحزاب هجوماً واسعاً داخل الأراضي الإيرانية والسيطرة على مناطق بعيْنها. وهو قلقٌ ينبع من تجربة مماثلة تعود إلى تموز عام 1988، حين تشكَّلت «منظمة مجاهدي خلق» المعارِضة، ومَنَحها صدام حسين قاعدة في العراق في ذروة الحرب مع إيران، سرعان ما انطلقت منها إلى داخل الأراضي الإيرانية، قبل أن تبوء عمليّاتها بالفشل، وتتسبّب بخسائر فادحة في صفوف أفرادها.