«سنُستخدم كدروعٍ بشرية للقواعد العسكرية، وليس العكس. لا نريد أن يتمّ استخدامنا، ولا نريد استخدام بحارنا وغاباتنا وأراضينا وسمائنا في صراعات الدول». هكذا لخّص، لموقع «إنترسبت» الأميركي، كاتبُ الرسالة التي وصلت إلى الكونغرس مطلع الشهر الفائت، موقفَ شريحة واسعة من سكان جزيرة أوكيناوا اليابانية، من 32 قاعدة ومنشأة عسكرية أميركية، تحتلُّ خُمس مساحتها. وأوكيناوا هي جزيرة تتبعها إدارياً سلسلة جزر في أقصى الجنوب، تنتهي بجزر ريوكيو في الشمال الشرقي لتايوان. ويصادف العام الجاري مرور 50 عاماً على إعادتها إلى اليابان في عام 1972، بعدما شرّعت «اتفاقية سان فرانسيسكو 1951»، عقب الحرب العالمية الثانية، الاحتلال الأميركي لها. حوّلت واشنطن مع مرور الوقت، الجزيرة التي قتلت ثُلث سكانها، إلى قاعدة عسكرية ضخمة لقواتها في المحيط الهادئ، حيث باتت اليوم مَركزاً لـ 70% من القواعد الأميركية في اليابان، ويتموضع فيها أغلب القوات الأميركية في اليابان، التي يُقدّر عديدها بـ 54 ألف عسكري، هم تقريباً نصف الانتشار العسكري في منطقة المحيط الهادئ.

على أبواب الذكرى الخمسين، رجّحت استطلاعات رأي في أوكيناوا، كفّة رافضي تَركُّز القوات الأميركية في اليابان، على أراضي الجزيرة التي لا تُشكّل سوى 0.6% من مساحة الدولة. هو رفضٌ استرسل مدير «مشروع العدالة البيئية في أوكيناوا»، هيديكي يوشيكاوا، في شرحه للجنتَي القوات المسلحة في مجلسَي النواب والشيوخ الأميركيَّين، في الرّسالة التي وقّعتها 87 منظمة يابانية ودولية، مطالباً المُشرّعين الأميركيين بـ«أخذ زمام المبادرة لإغلاق قاعدة فوتينما الجوية الخطيرة، وسحب خطّة بناء المنشأة البديلة لها (FRF)».

حوّلت واشنطن الجزيرة التي قتلت ثُلث سكانها، إلى قاعدة عسكرية ضخمة لقواتها في المحيط الهادئ


القاعدة «الأخطر في العالم»
في عام 1945، أنشأت القوات الأميركية، عقب احتلالها أوكيناوا، قاعدة «فوتينما» الجوية على أنقاض مجموعة قرى وأراضٍ زراعية في مدينة جينوان. بعد أكثر من خمسة عقود، حلّقت مروحية وزير الدفاع الأميركي، دونالد رامسفيلد، فوق «فوتينما»، خلال جولة تفقّدية لقواته في الجزيرة. يُروى أن الرجل صُعق من المشهد الذي رآه، ووصف القاعدة بأنها «الأخطر في العالم». شاهد رامسفيلد مدينة مكتظّة بالسّكان يتوسّطها مدرج جوّي، يزدحم محيطه الملاصق لحدود القاعدة، بالمساكن والمدارس والمستشفيات. ما رآه رامسفيلد في عام 2003، لم يكن سوى الرّعب الذي يعشيه سكان جينوان يومياً. في العام التالي فقط، اصطدمت مروحية «CH-53D» في حرم «جامعة أوكيناوا الدولية»، متسببةً بأضرارٍ في مباني الجامعة، ولـ«حُسن الحظ، سوى طاقم المروحية، لم يُصب أو يُقتل أحد». ليس الخوف من تحطّم الطائرات، وحده ما يرزحُ تحته السكان؛ إذ يعاني هؤلاء من «تلوث الضوضاء» الذي تتسبّب به الحركة الجوية، والتي يتجاوز مستوى ضوضائها «مستوى المعايير البيئية اليابانية 30 مرة يومياً». وللمطالبة بوقف الطلعات الجوية أو تخفيضها، رفع آلاف السكان دعاوى قضائية جماعية ضدّ الحكومة اليابانية والجيش الأميركي، وقد حكمت المحاكم اليابانية «مراراً وتكراراً بأن المدّعين يعانون جسدياً وعقلياً من تلوث ضوضاء الطائرات». لكن، لا حركة الطائرات توقّفت، ولا معاناة هؤلاء كذلك، فلا ولاية قضائية لمحاكم اليابان على القاعدة الأميركية، المبنية على أرضٍ يابانية! ولا تقف معاناة السكان هنا، فأهالي المنطقة المحيطة بالقاعدة معرّضون لمواد كيماوية «مسرطنة وخطرة»، من خلال الانسكابات العرضية وعبر تصريفها. وقد باتت ينابيع وآبار جوفية في محيط القاعدة كانت تستخدم للشرب وريّ المزروعات، غير صالحة للاستعمال اليوم، بسبب التلوّث الذي ألحقته القاعدة بها.


الاغتصاب، «FRF»… والردع
في عام 1995، اغتصب ثلاثة عسكريين أميركيين فتاة عمرها 12 سنة من سكان أوكيناوا. أغضبت الجريمة المجتمع المحلّي، ودفعت بعشرات الآلاف إلى الشارع للاحتجاج على الوجود الأميركي في الجزيرة. لم تكن تلك الجريمة البشعة سوى واحدة من مئات الجرائم التي ارتكبتها القوات الأميركية على أرض أوكيناوا، وقد تجاوزت، حتى عام 2020، الستة آلاف جريمة، منها 129 جريمة اغتصاب، وفق «مجلس جميع أوكيناوا لحقوق الإنسان». في العام التالي، حطّت طائرة الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، على الجزيرة، لتتشكّل بعدها لجنة عمل مشتركة بين البلدين، انتهت إلى موافقة الولايات المتحدة على إعادة آلاف الأفدنة التي تشغلها قواتها، منذ الحرب العالمية الثانية، إلى أوكيناوا، ومن بينها الأراضي التي تقوم عليها قاعدة «فوتينما» الجوية، عقب بناء بديلٍ لها في موقع آخر داخل الجزيرة، خلال خمس إلى سبع سنوات. مرّ 26 عاماً، ولم تُنقل القاعدة بعد إلى خليج هينوكو أورا في القسم الشمالي من الجزيرة، الذي اعتُمد كموقع بديلٍ لـ«فوتينما». فالمشروع «يتحدّى مبدأ الديموقراطية وسيادة القانون والعدالة البيئية». وقد عبّر شعب أوكيناوا في عامَي 2014 و2018 عن موقفه الرافض له من خلال إعطاء أصواته لحاكمَين معارضَين للمشروع، وصوّت 72% في استفتاء غير ملزم في عام 2019 ضدّ بناء المنشأة البديلة. وما يزيد حنَق المعارضين، عدم المبالاة بمخاطر المشروع: من ردم الخليج الذي «يُدمّر ثروته البيئية»، إلى هشاشة قاعِه الذي «لا قدرة على تدعيمه»، وصولاً إلى «الصدوع النشطة» تحت موقع البناء. ووفق «The Nation» الأميركية، فإن عمليات الرّدم تستخدم أراضي تمتلئ ببقايا ضحايا الاحتلال الأميركي لأوكيناوا، و«إذا استمرت الخطة كما هي مكتوبة، فسيتم بناء القاعدة العسكرية الأميركية على أساسٍ مليءٍ بعظام قتلى الحرب».
زادت تطوّرات زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إلى تايوان، أزمة الانتشار الأميركي في أوكيناوا تعقيداً، لما تُمثّله من عقدة استراتيجية للقوات الأميركية في منطقة المحيط الهادئ، عدا عن كونها تستضيف القواعد العسكرية الأقرب إلى تايوان، في ما لو قرّرت واشنطن التدخل عسكرياً لصالح تايبيه، ضدّ بكين. في المقابل، أقلق دقّ طبول الحرب في مضيق تايوان سكان الجزيرة، فهم لن يكونوا بمنأى عن الضربات الصينية التي سيكون هدفها الأول، في أيّ حرب تكون واشنطن طرفاً فيها: القواعد الأميركية في أوكيناوا. لا يُقنع يوشيكاوا والموقعون على رسالته إلى الكونغرس، التحجّج بضرورات الردع للاستمرار في مشروع «FRF». بالنسبة إليهم، فإن «بناء قاعدة أميركية عملاقة أخرى في أوكيناوا، لا يُقلّل، بل يزيد من احتمالية الهجوم» على جزيرتهم.