موسكو | «روسيا، روسيا، روسيا»، هتف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والحاضرون، عقب انتهاء مراسم توقيع اتفاقات ضمّ لوغانسك ودونيتسك وزابوروجيا وخيرسون إلى قوام الاتحاد الروسي. الهتاف لـ«حياة روسيا» يلخّص بدقّة فحوى الخطاب الذي كان على قدْر الحدث وأهميّته في لحظة يُكتب فيها تاريخ جديد لروسيا وللعالم، ستكون له ارتدادات لسنوات قادمة، سرعان ما عبّرت عنها ردود الفعل الغربية التي خلُصت في مجملها إلى أن النزاع بينها وبين روسيا انتقل إلى مرحلة عنوانها القطيعة الكليّة. من جهته، انتقى بوتين عبارات خطابه بدقّة، موجّهاً رسائل إلى الداخل والخارج، فحواها أن روسيا «قويّة وقادرة على حماية تاريخها وثقافتها وشعبها، ومواجهة الهيمنة الغربية، وصولاً إلى بناء عالم جديد لا مكان فيه لسياسات الإلغاء والحصار».

انطلق بوتين في خطابه من «قرار» سكان المناطق الأوكرانية الأربع الانضمام إلى روسيا، واعداً بـ«استعادة أراضينا كافةً، وحماية شعبنا بكلّ ما أوتينا من وسائل». والجدير ذكره، هنا، أنه بعد توقيع بوتين على اتفاقات الضمّ، ستُحال هذه إلى المحكمة الدستورية لتَنظر في مدى ملائمتها مع الدستور الروسي. ثمّ إثر ذلك، يتمّ تحويلها إلى مجلس الدوما يوم 3 تشرين الأول، ليصوّت عليها، إضافة إلى التصويت على مشروع قانون دستوري بضمّ المناطق الأربع إلى الاتّحاد الروسي. وفي أعقاب تلك الخطوة، تُحال الاتفاقات، ومعها القانون، إلى مجلس الاتحاد للمصادقة على كليهما، قبل أن يُوجَّه القانون إلى الرئيس لإمضائه يوم الثلاثاء المقبل. ورسم الرئيس الروسي مسارَين للتعامل مع نظام كييف في المرحلة المقبلة، الأوّل: ضرورة احترامه خيار سكان المناطق الأربع الانضمام إلى روسيا، وأن «يستمع ومشغّليه في الغرب إلى أن سكّان هذه المناطق أصبحوا مواطنين روساً وإلى الأبد»، مع ما يعنيه ذلك من تأبيد السيطرة على هذه المناطق وعدم شمولها في أيّ مفاوضات لاحقة بين الجانبين، وهو ما يحيل إلى المسار الثاني، أي دعوة بوتين كييف إلى التفاوض، «لكنّنا لن نناقش خيارات الشعب، لقد تمّ ذلك ولن تخذل روسيا شعبها».

«أراد الغرب إضعافنا وإعادتنا إلى سنوات الحرب الباردة»


في المحور الثاني لخطابه، جدَّد بوتين وصْف تفكيك الاتحاد السوفياتي بـ«الكارثة»، لافتاً إلى أن «أقنعة الغرب الذي حاول في عام 1991 تفتيت روسيا وتحويلها إلى شعوب متحاربة، سقطت». كذلك، أفرد جزءاً مهمّاً للحديث عن نظرة روسيا إلى الغرب، موضحاً أن «الهدف الأساسي للغرب هو فكرنا وفلسفتنا... الغرب لا يحتاج إلى روسيا، أمّا نحن فنحتاج إليها». وحول علاقة الجانبين، أوضح الرئيس الروسي أن «الغرب كان يدّعي الشراكة مع روسيا، لكن تصرفاته دلّت على أن نظرته إلينا استعمارية»، مضيفاً إنه «أراد إجبارنا على القبول بالقرارات الاستبدادية وإضعافنا وإعادتنا إلى سنوات الحرب الباردة»، مؤكداً أن «روسيا بلد عظيم، ولن نقبل بأن نعيش على أساس قواعد دوليّة مزوّرة». كذلك، أوضح بوتين أن الغرب «يريد تصنيفنا عدوّاً»، وأنه «لا يتراجع عن نشر الدعاية الكاذبة ضدّنا، ولكن هذه الأكاذيب لن تدفئ الأوروبيين في الشتاء». وفيما أشار إلى أن «الغرب ينتهج سياسة الاستعمار الجديد من أجل الهيمنة على العالم وإسقاط الأنظمة»، اتّهم الجانب الآخر بأنه «يريد أن تتخلّى دول وكيانات عن سيادتها، ومستعدّ حتى لاستخدام الإرهاب من أجل مصالحه»، ليشدّد، في هذا الجانب، على أنه «ليس لديه أيّ حقّ أخلاقي في إملاء إرادته، فيما يقسّم العالم إلى دول متحضّرة وأخرى متوحّشة»، لافتاً إلى أنّ «أوروبا تقبل بالخطط الاستعمارية الأميركية الجديدة، وهؤلاء يستهدفون شركاءنا والدول المجاورة لنا... وهو يحاول تغيير أسس النمو في العالم ويمنع المجتمعات من التطوّر والدفاع عن سيادتها». وبازدواجية معاييره هذه، «أنهى الغرب الاتفاقات والمواثيق كافةً وتخلّى عن تعهّداته الأمنية وخرق التزاماته وانتهج الخداع». وفي هذا الإطار، أكد بوتين أن «روسيا تدرك مسؤوليتها أمام المجتمع الدولي، وستقوم بما يلزم لتعيد الغرب إلى رشده»، في إشارةٍ إلى أن العالم «يدخل حقبة جديدة متعدّدة القطبية تدافع فيها الدول عن استقلالها وإرادتها ورغبتها في التنمية».
وفي خطابه، تطرّق الرئيس الروسي إلى أزمة الطاقة في أعقاب استهداف خطَّيِ الأنابيب «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2»، متهماً «الأنكلوساكسونية بالتخريب الذي تعرّضت له أنابيب السيل الشمالي» الذي يمثّل تدميراً لبنية الطاقة التحتية لأوروبا «ومن الواضح مَن المستفيد»، مضيفاً إن «واشنطن تدفع نحو عقوبات ضدّ روسيا وتضغط على أوروبا للتخلّي عن موارد الطاقة الروسية لتهيمن عليها». وأنهى بوتين خطابه بما يمكن أن يُطلَق عليه «قواعد للنظام الدولي الجديد»، معلناً أن «المستقبل هو للقتال من أجل شعبنا ومن أجل روسيا التاريخية العظيمة»، وأن «القوّة هي التي ستحدّد المستقبل السياسي في العالم».