يتنقّل الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بسرعة من اتّجاه إلى آخر، مُحاوِلاً موازَنة موقف بلاده ما بين الشرق والغرب، وساعياً في الوقت نفسه إلى قشْع الغموض الذي لا يزال يلفّ علاقات تركيا مع الولايات المتحدة، في إطار توسيع «دائرة الأمان» حول حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. لكن هذه المحاولات، وإذ تُثير انقساماً داخل تركيا وخارجها حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه سواءً في هذا الاتّجاه أو ذاك، فهي لا تحظى بإجماع أيضاً بشأن فُرص نجاحها، بل ثمّة اختلاف إزاءها بين مَن يعدّها «سياسية حيادية ناجعة» تستحقّ أن تكافَأ تركيا من أجلها، ومَن يَنظر إليها بوصْفها «دوّامة إرباك» لن تعود على أصحابها إلّا بالخسائر


تتنقّل الديبلوماسية التركية، هذه الأيّام، من اتّجاه إلى آخر، متمظهِرةً في الحركة النشطة للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بين أقصى الشرق في سمرقند حيث انعقدت قمّة «منظّمة شنغهاي للتعاون»، وأقصى الغرب في نيويورك حيث الْتأمت اجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتحدة. وأُتيحت لإردوغان، في المدينة الأوزبكية، الفرصة لعقد لقاءات مهمّة مع الرؤساء، الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جين بينغ، والإيراني إبراهيم رئيسي. وعلى رغم أن تركيا ليست عضواً في «شنغهاي للتعاون»، إلّا أن مشاركة رئيسها في قمّة سمرقند شكّلت مناسبةً لتظهير حماسةَ أعضاء المنظّمة لتحويل «المَيْل» التركي العام إلى الانضمام إليها، إلى ورقة ضدّ الغرب يمكن أن يُستفاد منها في ما لو ظلّت الرياح تُعاكس العلاقات التركية - الغربية، الأمر الذي من شأنه في المقابل تسريع خُطى إردوغان نحو التوجّه شرقاً. وفي نيويورك، التي وصلها متأبّطاً إنجاز «ممرّ الحبوب» من أوكرانيا إلى العالم، وتبادُل الأسرى بين موسكو وكييف بالتعاون مع الرياض، كانت للرئيس التركي اجتماعات مع العديد من الشخصيات، وفي مقدِّمهم رئيس الحكومة الإسرائيلية يائير لابيد، وأعضاء «اللوبيات» اليهودية في الولايات المتحدة. لكن «إنجازات» الرجُل لم تكن كافية ليحظى بلقاءٍ ولو «سريعاً وعلى الواقف» مع نظيره الأميركي، جو بايدن.
وعن هذا، يقول عثمان سرت، الكاتب في صحيفة «قرار» المؤيّدة لأحمد داود أوغلو وعلي باباجان، إن فشل إردوغان في عقْد لقاء مع بايدن، يُعدّ «نقيصة» في نشاطه، مُذكّراً بأن الرئيس لم ينجح العام الماضي، وفي المناسبة نفسها، في الاجتماع إلى نظيره الأميركي، فعاد من نيويورك مباشرة إلى سوتشي، ليلتقي الرئيس الروسي. ويرجِّح فشل إردوغان الثاني في الاجتماع إلى بايدن، احتمال استمرار العلاقات التركية - الأميركية على برودتها الحالية، والقائمة منذ وصول الرئيس الأميركي الحالي إلى السلطة. وفي ظلّ وجود ملفّات كثيرة عالقة بين أنقرة وواشنطن، مِن مِثل مسألة صواريخ «إس - 400» الروسية، ومقاتلات «إف - 35» و«إف - 16» الأميركية، وعلاقة الولايات المتحدة بقوات «حماية الشعب الكردية»، يبدو بايدن، بنظر البعض، مصمّماً على السعْي لإطاحة إردوغان «ديموقراطيّاً» في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
مِن جهته، يرى فايسي صاري أوزين، في صحيفة «يني أوزغور بوليتيكا» الموالية لـ«حزب العمّال الكردستاني»، أن إردوغان يعيش في دوامة إرباك تؤثّر على السياسة الخارجية لتركيا؛ ولئن كان الغرب لا يتقبّله، فلا يمكن الرئيسَ، مع هذا، المجاهرة بالقطيعة معه، لأن أيّ إشارة في هذا الاتّجاه ستعني خسارته الانتخابات، بحسب أوزين. وأمّا كلامه عن أنه يسعى وراء العضوية في «منظّمة شنغهاي»، فلم يقابَل هو الآخر بـ«ردٍّ حارّ» من جانب روسيا أو الصين أو الهند، لأن هذه الدول على دراية بأن الرجُل «غير جادّ في مسألة العداء للغرب»؛ ولأن المعارضة التركية، وفي مقدّمها «حزب الشعب الجمهوري»، لا تريد الانفتاح على الشرق بل الاستمرار في التوجّه غرباً. ووفق الكاتبة، فإن مشكلة إردوغان هي أن التوجّه غرباً ليس ممكناً، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي «لن يقبل في صفوفه دولة تخوض حرباً ضدّ مواطنيها الأكراد، وتنخرط في حربٍ مفتوحة في كلٍّ من سوريا والعراق». وبينما تتّجه الولايات المتحدة إلى تعزيز علاقتها مع اليونان (بدلاً من تركيا)، بوّابتها إلى الشرق، أضحت عضوية تركيا في «الناتو» نفسه، موضع نقاش.

يبدو بايدن بِنظر البعض مصمّماً على السعْي لإطاحة إردوغان «ديموقراطيّاً»


في الإطار عيْنه، يقدّم الكاتب مراد يتكين مثالاً آخر على المواقف المتقلّبة لتركيا، ومنها معارضتها الاستفتاء الروسي الذي يُنظَّم في أربع مناطق أوكرانية تمكّنت روسيا من الاستيلاء عليها أخيراً. ويتساءل يتكين في أعقاب التهديد الروسي باستخدام السلاح النووي والإعلان عن رفع مستوى التعبئة، عمّا «سيكون عليه موقف تركيا إذا ما طَرح حلف شمال الأطلسي مسألة ردع روسيا عسكريّاً؟ لو قالت أنقرة إنها تعارض أيّ عمل ضدّ موسكو طالما أن الأخيرة لم تعتدِ على دولة أطلسية، فما الذي سيكون عليه مصير علاقاتها بالغرب؟ وهل تُقدِم أميركا على التصويت لطرد تركيا من الحلف؟». لكن برهان الدين دوران، المقرّب من إردوغان، يَعتبر أن على تركيا أن تُواصل سياستها الحيادية وجهودها من أجل إقناع روسيا وأوكرانيا بأنه «لا مناص من إنهاء الحرب والجلوس إلى طاولة المفاوضات». وفي مقالته في صحيفة «صباح»، يرى الكاتب أن رهان موسكو وكييف على حسْم الحرب ليس واقعياً، مِثله مِثل الرهان الغربي على إسقاط بوتين بانقلاب أو بفِعل ضغط العقوبات الاقتصادية. ويلفت دوران إلى أنه ليست ثمّة دولة تحاول التوسّط بين روسيا وأوكرانيا سوى تركيا التي تبحث عن مخرج «مشرّف» لكلا البلدَين. وانطلاقاً من جهود أنقرة واضطلاعها بدور «عالمي»، يقول دوران إن إردوغان يذكّر دائماً بحديث لجو بايدن قبل سنوات، حول ضرورة رفْع عدد الأعضاء الدائمين والمؤقّتين في مجلس الأمن؛ «فإذا كانت اليابان وألمانيا تريدان أن تصبحا عضوَين دائمَين في المجلس، فإن تركيا يجب أن تكون ضمن الأعضاء الدائمين فيه أيضاً».
من جهته، يدعو أوزاي شيندير، في صحيفة «ميللييات»، إلى منْح تركيا وإردوغان جائزة «نوبل» للسلام لدورهما «التوفيقي» في الحرب الأوكرانية - الروسية، مستنداً في ذلك إلى إشارتَين: الأولى مقالة في صحيفة «نيويورك تايمز» في هذا الخصوص، وهي المرّة الأولى - منذ سنوات طويلة - التي تشيد الصحيفة فيها بتركيا؛ والثانية هي الارتياح الكبير الذي خلّفه دور أنقرة في فتح ممرّ الحبوب وملفّ تبادل الأسرى، لدى الرأي العام العالمي. ووفق شيندير، فإن الجهود التي تَبذلها بلاده من أجل إنهاء الحرب أكْسبتها انطباعاً جيّداً في الإعلام الغربي.