موسكو | منذ انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا، اتّجهت الأنظار نحو الخيارات الأوروبية المحتملة في ملفّ الطاقة، ولا سيما أن تسريبات كثيرة كانت سبقت اندلاع الحرب حول المخاطر المحدقة بـ«شهر العسل» القائم بين موسكو والاتحاد في هذا الملفّ. وبالفعل، سرعان ما انحاز الأوروبيون إلى الاستراتيجية الأميركية بخصوص الطاقة، بحجّة قطع شريان تَدفُّق الأموال إلى روسيا. وعلى رغم تكرار الأخيرة دعواتها إلى عدم إقحام الطاقة في الصراع القائم، لما سيسبّبه من أضرار للدول الأوروبية واقتصاداتها أوّلاً، إلّا أن الاتحاد ذهب إلى حظر استيراد النفط الروسي كلّياً مع نهاية العام الجاري - باستثناء بعض دوله -، إضافة إلى بحثه عن خيارات لتعويض الغاز الروسي. في المقابل، عملت روسيا وفق القاعدة التي أرساها الرئيس فلاديمير بوتين قبل الحرب بأشهر، وعنوانها عدم استخدام الطاقة كسلاح لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما تُرجم باستمرار تدفّق الغاز بكمّيات كبيرة إلى أوروبا خلال العملية العسكرية نفسها. لكن موسكو، وأمام تصاعُد العقوبات الغربية عليها، لجأت إلى بيع الغاز الروسي بالعملة المحلّية، خاصة للدول غير الصديقة، في إجراء استهدف حماية اقتصادها وأمنها القومي.

وتطرّق بوتين، في أكثر من كلمة طوال الفترة الماضية، إلى تداعيات العقوبات الغربية ضدّ روسيا على سوق الطاقة العالمي، مُحمِّلاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية مسؤولية ما يحصل في هذا القطاع من ارتفاع للأسعار وانقطاع في الإمدادات، منبّهاً إلى أن السعْي خلْف بدائل من مصادر الطاقة الروسية سيكون مكلفاً وغير موثوق. ومع مرور الأيام، ثبتت صحّة تلك التحذيرات؛ إذ سرعان ما ظهرت أزمة نقص وانقطاع في إمدادات الغاز إلى أوروبا عبر «نورد ستريم 1»، بسبب العقوبات الغربية التي أخّرت وصول توربينات مخصّصة لعملية ضخّ الغاز، مُخلِّفة تداعيات أظهرت أن هذا الخطّ هو «شريان حياة» لا يمكن الاستغناء عنه. وعلى رغم عودة الضخّ بعد إتمام عملية الصيانة، إلّا أن الأزمة لم تنتهِ هنا، حيث أعلنت شركة «غازبروم» أنها بدأت بخفْض إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر «السيل الشمالي 1» بسبب توقُّف توربين آخر عن العمل لحاجته إلى أعمال صيانة، وذلك للمرّة الثانية بعد أن لجأت الشركة، في حزيران الماضي، إلى خفْض الإمدادات إلى نحو 60% للسبب نفسه أيضاً. ووفقاً لـ«غازبروم»، سيتمّ خفض الإمدادات إلى مستوى 20% من القدرة التمريرية لخطّ الأنابيب (لن تزيد الإمدادات عن 33 مليون متر مكعّب يومياً، في حين استطاعة الأنابيب أن تبلغ 167 مليون متر مكعّب يومياً).
ويرى مدير شؤون الطاقة في «معهد الطاقة والتمويل» الروسي، أليكسي غروموف، أن موقف شركة «غازبروم» براغماتي بحت، موضحاً، في تصريح إلى صحيفة «فزغلياد»، أن «الاتحاد الأوروبي يرفض المزيد من التعاون مع الشركة. لذلك، إذا كانت أوروبا تواجه مشاكل في نقل التوربينات إلى نورد ستريم 1، فإن غازبروم تمنحها الفرصة لحلّها بنفسها». ويضيف غروموف أن «الشركة الروسية تريد ضمانات قانونية واضحة بأن التوربينات التي تمّ إصلاحها بالفعل لا تخضع للعقوبات، وأن غازبروم ستكون قادرة في المستقبل على صيانة خطّ أنابيب الغاز وإصلاح التوربينات من دون عوائق». ويَعتبر أن «أوروبا تريد من قضية التوربينات أن توضح أنها تتحكّم بمستقبل نورد ستريم 1؛ فمثلاً لو أرادت إغلاقه فيكفي أن تتوقّف عن إصلاح معدّات Portovaya CS، بينما ترفض غازبروم هذه المخاطر». وانطلاقاً من ذلك، يَلفت الخبير إلى أن «النهج الواقعي لروسيا هو مطالبة ألمانيا بتقديم ضمانات مكتوبة بأنه لن تكون هناك مشاكل في إصلاح التوربينات في السنوات القادمة»، مؤكداً أن «غازبروم على استعداد للوفاء بالعقود الطويلة الأجل».

اقترح بوتين إطلاق خطّ «السيل الشمالي 2» لحلّ أزمة الغاز في أوروبا


وعلى رغم تفاؤل الخبراء بإمكانية حلّ مشكلة التوربينات المشغِّلة لـ«نورد ستريم 1» في شهر آب، ما سيُمكّن «غازبروم» من زيادة ضخّ الغاز عبر الأنبوب إلى 40% على الأقلّ من قدرته، إلّا أنهم يحذرون من أن نصْف فصل الصيف قد انقضى، وبالتالي خسرت أوروبا فترة مهمّة من مهَل تخزين الغاز تحت الأرض، وهذا ما سيضعها في موقف صعب في الشتاء القادم. وينبّه الخبراء إلى أن إيقاف خطّ أنابيب الغاز في بداية موسم التدفئة في تشرين الأوّل، يخلق مخاطر على أمن الطاقة في أوروبا، لن تنحصر بما ستتعرّض له الإمدادات الآتية عبر «السيل الشمالي 1»، بل تتعدّاه إلى احتمال توقّف الإمدادات عبر أوكرانيا، بعد توقّف العمل بـ«يامال - أوروبا» عبر بولندا. ولذلك، يرجّح الخبراء الروس أن تعمد ألمانيا إلى حلّ أزمة «نورد ستريم 1» منعاً لأيّ مضاعفات غير محمودة في فصل الشتاء.
وفي هذا الإطار، يرى نائب رئيس القسم الاقتصادي في «معهد الطاقة والمالية» الروسي، سيرغي كوندراتييف، أن «الحفاظ على إمدادات الغاز إلى الاتحاد الأوروبي عند مستوى 110 - 120 مليون متر مكعّب يومياً، كما هو الحال الآن، يمثّل بالفعل تحدّياً للاقتصاد الأوروبي»، مُشكّكاً في «قدرة الدول الأوروبية على إدارة نظام الطاقة الخاص بها في مثل هذه الحالة». ويشير كوندراتييف إلى أنه «أمام هذا الوضع، ستعمد الدول إلى مساعدة بعضها على شاكلة الإجراء الذي اتّخذته بولندا بعدم مشاركة احتياطياتها من الغاز في منشآت UGS مع ألمانيا»، مستدركاً بأن «أوروبا تواجه مصيراً غامضاً بشأن المشاريع المخطَّطة للحصول على الغاز البديل، فعلى سبيل المثال، هل ستكون هولندا قادرة على إطلاق محطّات عائمة للغاز الطبيعي المسال في الوقت المناسب وترتيب نقله إلى دول أخرى، وخصوصاً ألمانيا؟». ويلفت الخبير إلى أن «إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا أكثر ربحية الآن، لأن الأسعار الفورية أعلى بما يُراوح بين 500 و600 دولار مقارنة بالسوق الآسيوية، لكنّ هذا الاختلاف يمكن أن يتقلّص بسرعة كبيرة»، مضيفاً أنه «قد يرفض بعض المستهلكين الآسيويين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، إعادة بيع الغاز المسال إلى الأوروبيين، كما يحدث الآن، لأن الغاز سيكون مطلوباً في السوق المحلّية».
وعلى الرغم من الاتّهامات الأوروبية لروسيا، وخاصة من قِبَل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، باستخدام الغاز كسلاح سياسي، إلّا أن موسكو بدت منفتحة على إيجاد حلول للأزمة الناشئة بسبب العقوبات. وفي هذا الإطار، اقترح بوتين إطلاق خطّ «السيل الشمالي 2» الذي عطّله الاتحاد الأوروبي في إطار عقوباته ضدّ روسيا. وقال بوتين إن «لدينا خطّاً جاهزاً لإمداد الغاز، وهو السيل الشمالي 2، الجاهز لإطلاقه»، مستدركاً بأنه «حتى لو أُطلق الأنبوب، فلن يضخّ 55 مليار متر مكعّب سنوياً لأوروبا، بل نصف هذه الكمّية تحديداً، بسبب تحويل غازبروم الغاز إلى الشرق». وأمام هذا الوضع، اعتمدت دول الاتحاد الأوروبي، بشكل نهائي، خطّة لخفْض استهلاك الغاز بنسبة 15%، هذا الشتاء.