أثار التوتّر الصيني - الأميركي على خلفية زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، لتايوان مطلع آب الجاري، مخاوف أفريقية من انعكاساته على القارّة التي تعاني أصلاً معضلات هيكلية مزمنة وتداعيات مستجدّة أبرزها جائحة «كوفيد - 19»، والأزمة الروسية - الأوكرانية. وتعود هذه المخاوف إلى حقيقة تنافُس بكين وواشنطن في العديد من الملفّات المرتبطة بأفريقيا، خصوصاً بعدما كثّفت الأولى مساعيها لتمتين الصلات الأمنية مع القارّة، وفق مسار «مبادرة الأمن العالمي» التي أطلقها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، نهاية نيسان 2022، وحملت عناوين تُشكّل في مجملها شواغل أفريقية هامّة، مِن قَبيل احترام سيادة ووحدة أراضي جميع الدول. وأظهرت الصين حرصها على ترجمة ذلك التَّوجّه، عبر عقْد منتدى وزاري صيني - أفريقي لقضايا السلام والأمن في أفريقيا نهاية تموز الفائت، ومن ثمّ طرح المسألة في نقاش مفتوح في مجلس الأمن (8 آب الجاري) الذي تتولّى بكين رئاسته حالياً.

حرصت الصين على طرح رؤيتها المنتقِدة للأدوار الغربية في أفريقيا (أ ف ب)

الأمن ملفّاً أوّلياً
انطلق في بكين، في الأسبوع الأخير من تموز الفائت، الاجتماع الوزاري الثاني لـ«منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي»، بحضور مستشار الدولة ووزير الدفاع الصيني، وي فينغي، الذي استهلّ الاجتماع بإلقاء كلمة نيابة عن شي، أكّد فيها لممثّلي 48 دولة أفريقية، استعداد بلاده «للعمل مع الأصدقاء الأفارقة لدعم مفهوم مشترك وشامل وتعاوني ومستدام للأمن»، مشدّداً على «وجوب تقوية التعاون في المعدّات والتكنولوجيا وتعميق مناورات التدريب البحري المشترك وتوسيع التبادل في المجالات التخصّصية». ويتّسق هذا الخطاب مع ما تقوم به الصين على الأرض، حيث تسهم بآلاف الجنود في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام في أفريقيا (في ليبيريا وجمهورية الكونغو الديموقراطية والسودان ومالي)، وتُدرّب أعداداً متزايدة من المسؤولين العسكريين، وتسعى لانخراط أكبر في عمليات السلام في إقليمَي القرن الأفريقي والساحل، فيما يتزايد عدد الدول الأفريقية التي تشتري أسلحة ومعدّات عسكرية من الصين. وتتّخذ الصين، التي يُتوقّع تفوّقها مستقبلاً في مجالات التدريب العسكري ومشاركة المعلومات ومواجهة الإرهاب، في مسعاها ذاك، غطاءً رئيساً هو حماية الممتلكات والأفراد الصينيين في أفريقيا «على نحو لن يثير انتباه الولايات المتحدة أو الغرب مثلما يفعل إنشاء قواعد عسكرية»، بحسب محلّلين أميركيين.
يرى مراقبون أن الصين تحاول بناء صورتها كبديل غير غربي «من أجل الجنوب العالمي»


وأظهر الاجتماع المُشار إليه استجابة لحاجة أفريقية ملحّة إلى التمويل في قطاع حفظ السلم والأمن؛ إذ تعهّدت الصين بدعم الجهود الأمنية للمؤسّسات الإقليمية مِن مِثل القوّة المشتركة لدول الساحل الخمس والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إلى جانب دعم لوجيستي في مجال الأمن البحري ومواجهة القرصنة لدولتَي غانا وليبيريا). كما تعهّدت بكين بمواصلة تقديم المساعدات العسكرية للاتحاد الأفريقي، وتعظيم الاستفادة من أدوار شركات الأمن الصينية الخاصة (التي تلتزم بدورها بمبادئ الحزب الحاكم وسياسات الصين الخارجية كشرط أساسي للتسجيل)، ولا سيما «بكين دي-وي» و«Huaxin Zhong'an». وتنشر «بكين دي-وي» نحو 20 ألف عنصر أمن صيني (أغلبهم جنود متقاعدون) في دول أفريقية أبرزها السودان وجنوب السودان وموزمبيق والسنغال وأنغولا - وإن ظلّ عملهم محصوراً في حراسة المنشآت الصينية -، بينما تنشر «Huaxin» نحو 21 ألفاً يتركّزون في إثيوبيا وكينيا. أمّا «مجموعة الصين للتكنولوجيا الأمنية» فتَنشر نحو 30 ألف عنصر في الجزائر والسودان وجنوب السودان ودول أخرى.
ويقدّر «المركز الصيني لبحوث الأمن والدفاع الخارجي» (المملوك للدولة) إنفاق الصين على أمن المصالح الصينية في أفريقيا وأجزاء أخرى من العالم، بنحو 10 بلايين دولار سنوياً. ويعكس ذلك حجم المخاوف الأمنية الصينية في القارّة خصوصاً، متّسقاً أيضاً مع تقدير «الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية» وقوع نحو 84% من استثمارات الصين ضمن «مبادرة الحزام والطريق» في دول ذات مخاطر متوسّطة ومرتفعة، ووجود ما لا يقل عن مئتَي ألف عامل صيني في مختلف أرجاء القارّة (يحتاجون إلى تأمين).

تنافس صيني - أميركي
حضرت مسألة السلام والأمن في أفريقيا بنداً رئيساً في أجندة الصين خلال رئاستها لمجلس الأمن في آب الجاري، إذ رعت بكين جلسة نقاش حول «السلام والأمن في أفريقيا: بناء القدرات من أجل سلام مستدام»، بهدف تحديد التحدّيات أمام نشوء سلام مستدام في القارة، ووضع أفكار لدعم بناء القدرات لمواجهة هذه التحدّيات. كما تعتزم الصين رعاية اجتماع حول «صيانة السلام والأمن الدوليَّيْن: تعزيز الأمن المشترك عبر الحوار والتعاون» بحضور الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش. واستهدف النقاش المفتوح مواجهة ما تَعتبره بكين «عوامل مساهمة في الصراع وعدم الاستقرار في أفريقيا»، وأبرزها الحُكم الضعيف والمؤسّسات الأمنية الضعيفة والتدخّل الخارجي وانتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة والإرهاب. وتناوَل رئيس مجلس الأمن، زهانج جون، في كلمته، «مصاعب الماضي التليد في أفريقيا»، مثل تجارة الرقيق والتمييز العنصري والحُكم الاستعماري والتدخُّل الخارجي، مشدّداً على وجوب احترام «المجتمع الدولي» للحكومات الأفريقية وعدم ربط المساعدات بشروط سياسية، ومساعدة القارّة «في تعزيز قدرة القطاع الأمني لمواجهة تهديدات الإرهاب والتطرّف العنيف والصراع المجتمعي»، معتبراً أنه لا يمكن - في هذا الصدد - للقوى الخارجية أن تحلّ محلّ «القدرة الداخلية».
وتقاطَع النقاش المفتوح في مجلس الأمن، حيث حرصت الصين على طرح رؤيتها المنتقدة للأدوار الغربية في أفريقيا، مع بدء وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، جولته الأفريقية الثانية منذ تولّيه المنصب في العام الماضي. وبينما برزت توقّعات بأن يكمل بلينكن صياغة استراتيجية جديدة في القارّة الأفريقية (جنوب الصحراء) تستهدف تعزيز التعاون مع «لاعبين استراتيجيين وشركاء مهمّين حول القضايا الأكثر إلحاحاً، فقد ظلّت مسألة الأمن هاجساً مزمناً وضمنياً، كما اتّضح في زيارتَيه للكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث تتزايد مخاوف واشنطن من تفاقُم العداء بين اثنَين من أبرز حلفائها الأفارقة. ويأتي ذلك في وقت تُكثّف فيه بكين مبادراتها الهادفة إلى «تعزيز قدرة الدول الأفريقية المستقلّة على صيانة السلام والاستقرار ومحاربة الإرهاب». ويرى مراقبون أن الصين تحاول بناء صورتها كبديل غير غربي «من أجل الجنوب العالمي»، وكقوّة عظمى قادرة على مدّ نفوذها خارج مجالها التقليدي، وتحديداً في هذا الملفّ، أي كأحد أهمّ مُوفّري الأمن الخارجي في القارّة.

خلاصة
تبدو دوافع الاهتمام الصيني بأمن القارّة الأفريقية وسلامها مفهومة على نحو أدقّ في ضوء الحضور الاقتصادي والسياسي الكبير للصين في أغلب دول القارّة. لكن، إلى الآن، لا تبدو الشعارات التي تطرحها بكين في مقاربة هذا الملفّ، مِن مِثل إنهاء تهميش القارة، وإعادة تموضعها في «النظام الدولي»، مثمرة على نحو كافٍ عند اختبار نتائج السياسات الصينية (وأبرزها حلول أفريقية لمشكلات أفريقية)، سواءً لناحية استدامة عدد من الأزمات، أو تعمُّق هامشية أفريقيا في «النظام الدولي».