لا تزال قمّة سوتشي التي جمعت الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، نهاية الأسبوع الماضي، تحظى باهتمام المعلّقين الأتراك، خصوصاً لجهة ما تمخّض عنها من اتفاقات بين الجانبين. ويرى برهان الدين دوران، في صحيفة «صباح»، أن اللقاء الذي جرى يُعدّ استمراراً لقمّة طهران، مع فارق أن الأخيرة، مهّدت، بالنسبة إلى موسكو وأنقرة، لقمّة سوتشي، التي أشار إردوغان إلى أهميّتها، بالقول: «إنها صفحة مختلفة كثيراً عن سابقاتها»، فيما اعتبر بوتين أن على أوروبا أن تكون ممتنّة لتركيا بسبب استمرار إمدادها بالغاز الروسي عبرها. وبحسب دوران، «يجب على الغرب ألّا يقابل التقارب التركي مع روسيا بعقوبات، بل بمزيد من مقترحات الدمج مع أوروبا والاستثمار». من جهته، يقول محمد برلاس، في الصحيفة نفسها، إن «نتائج الاتفاق على الدفع بالروبل، ستنعكس تراجعاً في أسعار الغاز عالميّاً، وهو ما من شأنه أن يغيّر المعادلات».

وكان مهمّاً، خلال القمّة، توسيع آفاق التعاون الاقتصادي بين تركيا وروسيا، ولا سيما لجهة الاتفاق على سداد ثمن الغاز الروسي بالروبل. ما تقدَّم، يزعج، بلا شكّ، الغرب، خصوصاً أن تركيا بلد ينتمي إلى «حلف شمال الأطلسي»، فيما تعمل الولايات المتحدة على ضمّها إلى جانبها في الصراع القائم مع روسيا، والابتعاد عن المنطقة الرمادية. في هذا الوقت، كان بوتين يغدق المديح على نظيره التركي لدوره في فتح ممرّات الحبوب من أوكرانيا إلى العالم، كما في مجال تسريع العمل في محطة «آق قويو» النووية في مرسين، للانتهاء منها في عام 2023. وهذا مهمّ بالنسبة إلى إردوغان الذي يسعى إلى استثمار أيّ «إنجاز» يمكن صرفه في الانتخابات الرئاسية المرتقبة في حزيران المقبل. وبدا لافتاً أن الرئيس الروسي ألحّ، وفق ما أوردته الصحف التركية الموالية، على أن يلبّي نظيره الدعوة لحضور قمة شنغهاي المقبلة في سمرقند في أوزبكستان بين 16 و17 أيلول المقبل، خصوصاً أن دولاً أخرى مدعوّة إليها، مِن مِثل قطر والسعودية. وكانت «منظّمة شنغهاي للتعاون» تضمّ، لدى تأسيسها في عام 1996، كلّاً من روسيا والصين وقيرغيزيا وطاجكستان وقازاخستان، فيما انضمّ إليها لاحقاً كل من أوزبكستان والهند وباكستان وإيران. على هذه الخلفية، يذكر كورشاد زورلو، في صحيفة «خبر تورك»، أن بوتين يريد من إردوغان أن يكون جزءاً من صورة قمّة شنغهاي، لأن تركيا دولة أطلسية.
كذلك، حظي الوضع في ليبيا باهتمام بوتين وإردوغان؛ فللمرّة الأولى يَرِدُ فيها أن الطرفين سينسّقان معاً في هذا البلد لإجراء انتخابات شفّافة تنتج عنها مصالحة داخلية بين أوسع فئات المجتمع الليبي، بعدما كانا وُضعا وجهاً لوجه في السنوات الماضية. وهذه الإشارة إلى ليبيا في البيان الختامي، قد تكون مؤشّراً قويّاً إلى تعاون البلدين في هذا الملفّ. ولا شكّ في أن الملفّ السوري حظي باهتمام الطرفين. وفيما تحدّث البيان الختامي عن توحيد الجهود لمحاربة «المجموعات الإرهابية»، فهو لم يُشِر إلى أسماء هذه المجموعات، حيث يختلف تعريف الإرهاب بين موسكو وأنقرة، ليبقى البيان في العموميات وخصوصاً لجهة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

إذا قامت القوات التركية بعملية قريبة في تل رفعت، فلن يكون ذلك مفاجئاً


لكنّ تحليلات ظهرت في الإعلام التركي تجلّي إمكانيّة تعاون تركي مع الدولة السورية «لتقاسم» بعض المناطق في الشمال السوري، وهو الأمر الذي لم تعلّق عليه لا أنقرة ولا دمشق. وبحسب محرم صاري قايا، في صحيفة «خبر تورك»، فإن العملية العسكرية التركية في شمال سوريا لم تُطوَ، ولكنّها قد تكون محدودة في منطقة تل رفعت، ويمكن أن تبدأ قريباً. وفي ظلّ تعذُّر الاتفاق مع أميركا حول العملية، يقول صاري قايا، إن ذلك ربّما يكون ممكناً مع روسيا، خصوصاً أن لها نفوذاً في المنطقة. وطلب إردوغان، بحسب الكاتب، خلال قمّة طهران، الموافقة على عملية عسكرية تركيّة في منطقة تل رفعت، لكن إيران رفضت بالمطلق أيّ عملية «تمسّ مناطق نفوذها» في هذه المنطقة، فيما لم توافق روسيا على أيّ عملية قد تضاعف من التوتّر في المنطقة. ويذكر الكاتب أن إردوغان عاد وأثار مع بوتين مسألة عملية تل رفعت، لكنّ الأخير قال له: «إذا كان ذلك ممكناً بالتعاون مع النظام السوري، سيكون أكثر صوابية بكثير»، مذكّراً بإشارة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إلى أنه «إذا قام النظام بحملة ضدّ الارهابيين (يقصد «قسد»)، فإن أنقرة ستدعم بقوّة هذه الحملة، لكن على النظام ألّا ينظر إلى المعارضة المعتدلة على أنها إرهابية». ويلفت الكاتب، في هذا السياق، إلى أن أنقرة ودمشق «تعاونتا سابقاً في بعض العمليات ضدّ داعش أو ضدّ القاعدة»، فيما يَنتظر الأتراك أن يوافق السوريون على عمليات مشتركة مشابهة، على أن تتقدَّم القوات التركية من شمال تل رفعت، والقوات السورية من جنوبها.
من جهته، يقول سرهاد أركمين، الباحث في جامعة ألتين باش والمختصّ في الشأنَين السوري والعراقي، إنه إذا قامت القوات التركية بعملية قريبة في تل رفعت، فلن يكون ذلك مفاجئاً، إذ إن «العناصر الإيرانية موجودة هناك، وسيكون من الصعب إخراجها، إلّا إذا تعاونت تركيا وروسيا والنظام»، معتبراً أن «حلّ مشكلة اللاجئين وغيرها من المشكلات، يتطلّب حواراً بين أنقرة ودمشق». ويتوقّع الباحث أويتون أورخان، المختصّ في الشأن السوري وقضايا الشرق الأوسط والعامل في مركز «أورسام» للأبحاث، أن تقوم تركيا قريباً بعملية في منطقتَي تل رفعت ومنبج، وأن تدخل مدينة منبج، على أن تكون طريق «M4» تحت سيطرة القوات السورية والروسية. ويرى الباحثان أن تطوّر العلاقات التركية - السورية بعد العملية، متروك لمهارة الدبلوماسية.
ووفق صحيفة «خبر تورك»، هناك خمسة أسماء مهمّة تلعب دوراً كبيراً في سياسة تركيا الخارجية وتجاه سوريا والمنطقة، وهي: وزير الدفاع خلوصي آقار، ووزير الداخلية سليمان صويلو، ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ورئيس الاستخبارات حاقان فيدان، ومستشار إردوغان إبراهيم قالين. وهؤلاء الخمسة، تقول، هم وراء «نجاحات» إردوغان الأخيرة في السياسة الخارجية. وعلى هذا، تتوقّع الصحيفة أن تكون العلاقات التركية - السورية أمام صفحة جديدة في وقت قريب «وليكن الجميع مستعدّاً لذلك». بدوره، يرى الكاتب فهيم طاشتكين، في صحيفة «غازيتيه دوار»، أن روسيا لم تُعطِ الضوء الأخضر لعملية تركية في سوريا، قائلاً إن الطرفين التركي والروسي ألغيا المؤتمر الصحافي المشترك حتى لا تظهر نقاط الخلاف إلى العلن، وربّما بسبب الوضع الصحي للرئيس التركي، خصوصاً أن الموضوعات قيد النقاش كانت كثيرة وكان يُرجح، لذلك، أن يكون المؤتمر الصحافي طويلاً.