طهران | مع وصول المحادثات الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني إلى مأزق جديد، تشتدّ المواجهة الأمنية والعسكرية بين إيران وإسرائيل، يوماً بعد آخر، وتنحو منحًى جديداً. وفي هذا الإطار، تَحدّثت طهران، أخيراً، عن القبض على «شبكةٍ لعملاء الموساد» في البلاد، كانت تعتزم «تفجير أحد المواقع الحسّاسة في محافظة أصفهان». وعلى رغم أنه لم يتمّ الإعلان عن اسم هذا الموقع، غير أن منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم ومركز معالجة اليورانيوم في أصفهان، يُعتبران مركزَين مهمَّين وحسّاسَين يقعان في هذه المحافظة. ونظراً إلى سجلّ إسرائيل من الأعمال التخريبية ضدّ المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، فإن أغلب الظنّ أن أحد هذَين الموقعين كان هو المستهدَف. وفيما لم تُدْل إيران بمعلومات حول جنسية هؤلاء الأشخاص أو عددهم، فهي قالت إنهم دخلوا البلاد قادمين من إقليم كردستان العراق، مبيّنةً أن «متفجّرات شديدة الانفجار كانت قد عُبّئت من قِبَل هذه المجموعة في الموقع المنشود، وكانت بضع ساعات تفصلنا عن موعد تنفيذ المرحلة النهائية لعمليتهم الإرهابية».

حتّى الآن، تعرّضت مواقع عسكرية ونووية إيرانية لعدّة عمليات تخريب، نُسِب تنفيذ معظمها إلى إسرائيل. بيد أن الأخيرة لم تؤكّد أو تنفِ أبداً ضلوعها في أيّ حادثة. وفي المقابل، فإن عمليات تخريب وهجمات سيبرانية وقعت في الكيان العبري، اعتُبرت إجراءً انتقامياً من جانب الجمهورية الإسلامية، وآخرها ما تحدَّثت عنه صحيفة «يديعوت أحرونوت» من أن هجوماً شنّه قراصنة إيرانيون على مواقع إلكترونية لعددٍ من المؤسّسات الإسرائيلية. وفيما وضعت تل أبيب على جدول أعمالها، تصميم عمليات تخريبية في إيران - بما فيها التفجيرات والهجمات السيبرانية ضدّ المنشآت العسكرية والنووية الحسّاسة -، يَظهر أنها تَعتبر هكذا إجراءات قابلة للتنفيذ أكثر من شنّ هجوم عسكري مكلف، على رغم أنها تُواصل، في الوقت ذاته، قَرْع طبول الحرب في وسائل الإعلام. وكان وزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس، اعتبر، حديثاً، أن الحرب على إيران يجب أن تكون الخيار الأخير، معبّراً عن أمله في أن تدعم الولايات المتحدة خياراً من هذا النوع، إنْ كان من الضروري اللجوء إليه.
في المقابل، يبدو أن إيران، وبعد بضع عمليات تفجير وتخريب وقعت في منشآتها العسكرية والنووية، تتّجه نحو ترميم أداء قوّاتها الأمنية للحدّ من تكرار هذه الحوادث؛ ففي الشهر الماضي، نُحّي رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري، حسين طائب، من منصبه بعد 13 عاماً من تولّيه إيّاه، في ما اعتَبره كثيرون مؤشّراً دالّاً في هذا السياق. لكن صحيفة «إيران» الحكومية تحدّثت، قبل أيّام، عن «فشل نموذج التخريب»، على اعتبار أن «التدابير الكفيلة بالتحصين الأمني داخل إيران، والتي توازي النجاح في الميدان الديبلوماسي في المنطقة، قلّصت من قدرات الكيان الصهيوني وزادت من الحصانة الأمنية بهامش يمكن التعويل عليه». وأضافت أن «الإشراف الأمني والاستخباري على جميع المجالات الحيوية في الكيان الصهيوني، بلغ نقطة أصبح معها ممكناً إلحاق أضرار مدمّرة بأيّ نقطة في الكيان».

يبدو أن تل أبيب ستواصل استراتيجية العمليات الخفيّة والضربات المحدودة ضدّ المنشآت الإيرانية


على خطٍّ موازٍ، تتضاءل فُرص إحياء الاتفاق النووي، يوماً بعد يوم، فيما تتحرّك إيران بسرعة في اتّجاه تسجيل تَقدُّم في برنامجها النووي. وفي هكذا وضع، فإن دوافع إسرائيل القلقة دائماً من تحوُّل «عدوّتها» إلى دولة نووية، ازدادت للقيام بعمليات تخريبية. وفي الآونة الأخيرة، أماط مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، كمال خرازي، اللثام عن القدرات الفنّية الإيرانية لصُنع السلاح النووي، متحدّثاً عن جاهزية بلاده لاستهداف العمق الاستراتيجي الإسرائيلي، في حال تمّ استهداف المنشآت الإيرانية الحسّاسة. ولم تمرّ ساعات على هذا التصريح، حتى دعا رئيس الأركان الإسرائيلي، أفيف كوخافي، إلى ضرورة استعداد الكيان لمواجهة توسُّع البرنامج النووي الإيراني، قائلاً إن جيش الاحتلال يجهّز نفسه بشكل جادّ لمهاجمة الجمهورية الإسلامية ولـ«التعامل مع أيّ طارئ».
من جهتهم، يذهب بعض المحلّلين إلى أن هدف المسؤولين الإيرانيين من الإدلاء بتصريحات كهذه، يتمثّل في إبداء رد فعل على التوقيع على «إعلان القدس» الصادر إبّان زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى المنطقة، وإبراز قوّة الردع الإيرانية. وتُعزّز تقديرات وسائل الإعلام القريبة من الحرس الثوري، والتي تتحدّث عن إرباك إسرائيلي في مواجهة الاعتراف الإيراني بالحصول على القدرات الفنيّة العالية في القطاع النووي- مستنِدةً في ذلك إلى وجهات نظر بعض أعضاء الأحزاب الإسرائيلية المعارضة والقائلة بأن زيارة بايدن كانت عقيمة -، انطباعات هذه الفئة من المحلّلين.
في المقابل، فإن تصريحات كوخافي المنطوية على تهديدات، استُكملت بعبارة «من المرجّح»، وسط تأكيد «عدم الاستعجال الزمني» لشَنّ هجوم عسكري، خصوصاً أن الولايات المتحدة، وفقاً للكلام الصريح الذي أدلى به الرئيس الأميركي في إسرائيل، لا تزال تنوي مواصلة جهودها الديبلوماسية لإحياء الاتفاق النووي. وبناءً على ما تقدَّم، ترى مجموعة من الخبراء أن توقيع «إعلان القدس» وتقديم مشروع لبناء تحالف للدفاع الجوي الإقليمي ضدّ إيران، يشكّلان أجزاء من الخطّة الأميركية البديلة لما بعد فشل المحادثات النووية غير المباشرة، والتي لا تحظى، هي الأخرى - في الوقت الحاضر -، بصِفة العَجَلة في مجال العمليات والتنفيذ، بل تُطرح بشكل أكبر بهدف الضغط على إيران للمضيّ قُدُماً في المفاوضات. لكن يبدو، في الآن نفسه، أن تل أبيب ستُواصل استراتيجية العمليات الخفيّة والضربات المحدودة ضدّ المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، بوصْفها متدرّجة وأقلّ تكلفة.



اقتراح أوروبي للتسوية النووية
اقترح وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوّل من أمس، مسودة تسوية في شأن البرنامج النووي الإيراني، داعياً الأطراف المشاركين في محادثات فيينا إلى قبولها لتجنُّب ما وصفه بأنه «أزمة خطيرة». وكتب بوريل، في مقالةٍ نشرتها صحيفة «فايننشل تايمز» البريطانية، أن النَصّ المُقترَح «ليس اتفاقاً مثالياً»، لكنّه «يمثّل أفضل اتفاق أعتبره ممكناً، بصفتي وسيطاً في المفاوضات». وأشار إلى أن الحلّ المقترَح «يتناول كلّ العناصر الأساسية، ويتضمّن تسويات استحصلت عليها جميع الأطراف بصعوبة»، محذّراً من أنه في حال رفضه «فنحن نجازف بحدوث أزمة نووية خطيرة».
وردّاً على الاقتراح، كتب كبير المفاوضين الإيرانيين، علي باقري، على «تويتر»: «المنسّق (جوزيب بوريل) شارك أفكاره في شأن إتمام المفاوضات. نحن أيضاً لدينا أفكارنا الخاصّة، سواء من حيث الجوهر أو الشكل، لإتمام المفاوضات». في المقابل، قال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، إن واشنطن تُراجع «مسودة التفاهم» التي طرحها بوريل، وستردّ مباشرة على الاتحاد الأوروبي.
(الأخبار، أ ف ب)