لندن | لم يحصل الأسوأ بالنسبة إلى معسكر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بعد الجولة النهائية من الانتخابات التشريعية الفرنسية (الأحد 19 حزيران)، إذ لم يتمكّن ائتلاف أحزاب اليسار من الحصول على غالبيّة تؤهّله لفرض زعيمه جان لوك ميلينشون، رئيسَ وزراء يتقاسم السلطة مع الرئيس في الملفّات الداخلية، وبقيت كتلته (معاً) - وسط ليبرالي - الأكبر في الغرفة الثانية من البرلمان الفرنسي (النوّاب) بعدما حصدت 245 من أصل مجموع 577 مقعداً. لكن النتيجة الكلّية لهذه الجولة لا تكاد تبتعد كثيراً عن الأسوأ - لمعسكر الرئيس دائماً -؛ بالنظر إلى أنه بعد فقدان كتلته الغالبية المطلقة (التي تقف على عتبة 289 مقعداً)، سيتعيّن على ماكرون الآن، وطوال فترته الرئاسية الثانية في السنوات الخمس المقبلة، أن يقاتل بشراسة كلّما أراد تمرير أيٍّ من مشاريعه عبر البرلمان، وأن يتواضع كلّ مرّة لإرضاء الكتلة المحافظة من نواب الحزب الجمهوري وحلفائه مقابل تنازلات كبيرة. ويُعدّ هذا الموقف الضعيف مأزقاً لم يتعرّض له رئيس فرنسي منذ الثمانينيات، إلى حدّ دفَع بعض المراقبين في باريس إلى التكهّن باحتمال أن يلجأ ماكرون إلى الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة خلال عام أو نحو من ذلك.

سيتعيّن على ماكرون الآن، وطوال السنوات الخمس المقبلة، أن يقاتل بشراسة كلّما أراد تمرير أيٍّ من مشاريعه عبر البرلمان (أ ف ب)

كانت ليلة الأحد قاسية حقاً على العديد من الكوادر الأساسية في كتلة الرئيس؛ إذ فقد العديد من كبار أعضاء تحالف «معاً» مقاعدهم، بمن فيهم رئيس «الجمعية الوطنية» ريتشارد فيران، ومسؤول النظام لكتلة نواب الحزب كريستوف كاستانير، كما خسرت وزيرة الصحة بريجيت بورغينيون، ووزيرة البيئة إميلي دي مونتشالين، مقعدَيهما، ما يجعل أمر استقالتهما من الحكومة متوقّعاً بحسب العُرف السائد منذ عهد الرئيس الأسبق، نيكولا ساركوزي. وفازت رئيسة الوزراء المعيّنة حديثاً، إليزابيث بورن، بمقعدها عن النورماندي بغالبية ضئيلة للغاية، في مواجهة شابّة (تحالف اليسار) يبلغ عمرها 22 عاماً. وفي المجموع، تراجَع حجم الكتلة الليبرالية 100 مقعد، مقارنة بالهيمنة شبه الكلّية التي استمتعت بها في المجلس التشريعي السابق (345 مقعداً)، ومنحت حينها الرئيس صلاحيات تليق بملك متوَّج في قلب الجمهورية، لتتوقّف في المجلس الجديد عند سقف الـ245 مقعداً، القاصرة عن الغالبية البسيطة.
وسرعان ما انعكست هذه النتائج على تصريحات أدلت بها بورن، التي قالت إن «هذا الوضع غير المسبوق يشكّل خطراً على بلدنا، مع الأوضاع التي نواجهها في الداخل والخارج»، معترفةً بتشظّي التصويت وتحدّيات إدارة ملفّات البلاد في المرحلة المقبلة. وأضافت: «لكن هذا صوت الفرنسيين، وعلينا أن نحترمه. وهو يحمّلنا، بصفتنا أكبر كتلة في البرلمان، مسؤولية خاصة لتشكيل مجموعة قادرة على العمل». واتفق كثيرون على أن التصرّفات المتعجرفة للرئيس الفرنسي، وإهماله الحملة الانتخابية للقيام ببهلوانيات والتقاط صور في مولدافيا وأوكرانيا، توازياً مع جملة من الإخفاقات الأمنية والسياسية داخلياً، لم تساعد في كلّيتها على إغواء الناخبين المتردّدين. والفرنسيون الذين تفرّقوا عن كتلة الرئيس، اندفعوا نحو «التطرّفات»، ومنحوا أوزاناً قياسية للأحزاب على أقصى جانبَي المشهد السياسي - يميناً ويساراً -. إذ حصل «الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي» اليساري الجديد (ائتلاف فرنسا المتمرّدة، والحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي، والخضر) بقيادة ميلينشون (زعيم حركة فرنسا المتمرّدة) على 131 مقعداً، فيما قدّم اليمين المتطرّف بقيادة مارين لوبين (الجبهة القومية) أداءً غير مسبوق تاريخياً، فحصد مرشّحوه 89 مقعداً (مقابل ستّة مقاعد فقط في المجلس التشريعي المنتهي). أمّا الكتلة المحافظة من الجمهوريين وحلفائهم، ففقدت أكثر من ربع مقاعدها لتقف عند مستوى 64 مقعداً فقط (مقابل 101 سابقاً)، لكنها وفق التكوين الحالي للمجلس ستكون كافية للعب الدور المرجّح في كلّ مغامرة برلمانية للكتل الأكبر. وتوزّعت بقيّة المقاعد الـ51 على أحزاب صغيرة.
لعلّ نسب المشاركة في التصويت دلالة كبرى على توسّع الكتلة الصامتة الغاضبة


بالنسبة إلى اليسار، فإن النتيجة، وإن خيّبت آمالاً بالقبض على منصب رئيس الوزراء، فإن الائتلاف أصبح كتلة المعارضة الأكبر في مواجهة أنصار ماكرون، ويمكنه أن يحتفل مسبقاً بقدرته على إعاقة تشريع برامج (إصلاح) اقتصادي ليبرالية يروّج لها ماكرون، لا سيمّا قانون جديد للتقاعد مثير للجدل. واعتبر ميلينشون، قائد الائتلاف، أن «النتائج دلالة واضحة على هزيمة حزب الرئيس». وأضاف في خطاب أمام مؤيّديه: «لقد نجحنا في تحقيق هدفنا السياسي: الإطاحة بالرئيس الذي يلوي ذراع البلاد بغطرسته، والذي انتُخب ولا أحد يعرف لماذا». ومع ذلك، فإن مجال تأثير اليساريين على الأجندة الخارجية للبلاد سيظلّ محدوداً، ولن يتسنّى لميلينشون تحقيق وعوده بإخراج فرنسا من القيادة المتكاملة لـ«حلف شمال الأطلسي» - الناتو -، أو تجاهل أجزاء من معاهدات الاتحاد الأوروبي التي لا يتّفق معها. أمّا نجمة ليلة الأحد، فقد كانت لوبين، التي خسرت السباق الرئاسي قبل شهرَين لمصلحة ماكرون، وتكهّن كثيرون بانطفائها لا سيّما بعد نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي جرت الأحد قبل الماضي (12 حزيران). ويُظهر فوز الجبهة بـ89 مقعداً وجود تنظيم متجانس ومنضبط تحت قيادتها، ما سيكسبها نفوذاً كبيراً ودعماً مالياً أكبر، وسيمكّنها من التفاوض للحصول على مناصب رئيسة في «الجمعية الوطنية»، واقتراح التشريعات، والطعن في مشاريع القوانين التي تطرحها الحكومة، ورفع الصوت عالياً ضدّ تأثير بروكسل الملموس في كلّ الشؤون الفرنسية.
وبعيداً عن صخب الخاسرين والرابحين، تبدو فرنسا - بناءً على تكوين المعسكرات السياسية فيها - مُقبلة على خمس سنوات عجاف، بين رئيس مكبّل اليدين، وبرلمان عاجز عن فرض اتّجاه محدد على أحد. وهذا بالطبع سيُضعف خارجياً دور الجمهورية في إطار الاتحاد الأوروبي - الذي تتولّى رئاسته الدورية -، ويعمّق داخلياً من آثار الضغوط الاقتصادية المترتّبة على الصراع الروسي - الأميركي في أوكرانيا في الحياة اليومية للفرنسيين. ولعلّ نسب المشاركة في التصويت دلالة كبرى على توسّع الكتلة الصامتة الغاضبة التي لم تَعُد تجد في المسرح السياسي الرسمي ما يرضي طموحاتها؛ إذ لم يقترع في هذه الانتخابات التشريعية سوى 46 في المئة من الناخبين الذين يحقّ لهم التصويت، فيما لوحظ أيضاً تَغيّب 75 في المائة من فئة الشباب ما بين 18 و24 سنة عنها. وتلك إشارات مقلقة بكلّ المقاييس حول المزاج الشعبي العام، في وقت تبدو فيه القارّة الأوروبية برمّتها متّجهة نحو أزمات ركود واضطرابات اجتماعية.