- لم تَعُد الولايات المتحدة القوّة المهيمنة بلا منازع في الشرق الأوسط. أدّى تقليص الدور الأميركي إلى بروز قوى أخرى من مثل روسيا وإيران وتركيا، وإلى تحرّكات اقتصادية طويلة الأمد من جانب الصين. تهدف الولايات المتحدة إلى الحفاظ على المصالح الأساسية: الاستقرار الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، ومنع انتشار السلاح النووي، وأمن كل من الطاقة وإسرائيل. ولدى الصين وروسيا والولايات المتحدة قدرات وأهداف متباينة لسياساتها الخاصة في المنطقة التي تمرّ بتحوّلات عميقة.

- تعود روسيا مرّة أخرى كجهة فاعلة عسكرية ودبلوماسية في الشرق الأوسط. منذ ما قبل عام 2015، عندما تدخّلت في الحرب الأهلية السورية، كانت موسكو تبحث عن منافذ إضافية لنفوذها العسكري والاقتصادي في الشرق الأوسط. وأصبحت، الآن، فاعلاً مهمّاً في كل من سوريا وليبيا، وشريكاً لإيران، وشريكاً طموحاً لمصر، ومحاوراً لدول الخليج (خاصّة الإمارات والسعودية)، وإسرائيل، والحكومة الأفغانية، و«طالبان»، والفلسطينيين، من بين العديد من الكيانات السياسية الأخرى. وتُعدّ روسيا أيضاً فاعلاً في اليمن، كما لديها مجموعة واسعة من المصالح في شمال أفريقيا. وهي تلعب مع العديد من الأطراف، بعضها ضدّ بعض، داخل البلدان التي تعاني صراعات داخلية، وتستخدم هذه الصراعات كإسفين لتعميق نفوذها الإقليمي. يقدِّم الشرق الأوسط لروسيا الكثير من الفرص بسبب الصراعات القابلة للسيطرة. ومع هذا، فإن موسكو بعيدة عن أن تكون قادرة على إنشاء نظام إقليمي من تصميمها الخاص.
- التعاون الأميركي – الإسرائيلي في الشرق الأوسط مستمرّ. وحتى الآن، لم تتحدَّ روسيا بشكل واضح هذا التعاون، على الرغم من أن اتّساع نطاق أنشطتها يؤثّر بالتأكيد على مصالح كل من إسرائيل والولايات المتحدة. إن وجود روسيا، في ظلّ لعب الصين دوراً في الخلفية، يضفي الكثير من التعقيد على الوضع في الشرق الأوسط. ومع تغيُّر الإدارة في واشنطن، وتصاعد التوتّرات الأميركية - الروسية على المستوى العالمي، وبروز الصراع كاحتمال جليّ، يمكن أن يتحوّل دور روسيا في المنطقة إلى تحدٍّ استراتيجي، وأن يشكِّل قلقاً لكلّ من إسرائيل والولايات المتحدة في الساحات الحسّاسة، من مثل سوريا وإيران، وفي المجالَين السيبراني والتكنولوجي.

العلاقات الأميركية - الإسرائيلية ومجالات التعاون المحدَّدة
بالنظر إلى الجغرافيا السياسية لشرق أوسط متغيّر، يجب على الولايات المتحدة وإسرائيل إعادة التأكيد على أهمية علاقاتهما الثنائية، والحفاظ على التنسيق الوثيق بينهما، والعمل على إدارة خلافاتهما المحتملة في ما يتعلّق بأدوار روسيا وتركيا والصين في الشرق الأوسط. ويمكن أن تضيفا إلى هذه القائمة، التشاور والتنسيق المتعدّدَي الأطراف مع دول «مجلس التعاون الخليجي».

مكانة مختلفة لروسيا في استراتيجية كل من أميركا وإسرائيل:
- بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الحضور الروسي في الشرق الأوسط ليس أمراً لا يطاق نظراً إلى مستوياته الحالية. فهو لا يتعارض بالضرورة مع المصالح الأميركية الأساسية في المنطقة. إلّا أنه يُعقِّد تحقيق هذه المصالح، في ظلّ سعي روسيا إلى الحدّ من نفوذ الولايات المتحدة، والإضرار بمكانتها.
- بالنسبة إلى إسرائيل، تمثّل روسيا تحدّياً للأمن القومي يُعدّ أولوية قصوى. تفرض روسيا مجموعة من المخاوف العملياتية والاستراتيجية النابعة من العائق المحتمل أمام حرية العمليات الإسرائيلية في سوريا، فضلاً عن علاقاتها الاستراتيجية وتعاونها مع إيران. التواصل مع روسيا يتيح لإسرائيل المجال لإضعاف قدرات إيران العسكرية وترسيخها في سوريا، في مقابل تعطيل روسي محدود للعمليات الإسرائيلية. تحتاج إسرائيل إلى الحفاظ على انخراطها مع روسيا من أجل تأمين هذه الأهداف الأساسية.
* حدود التدخّل الروسي: لم تدقّ روسيا إسفيناً بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي لن تحلّ محلّ الولايات المتحدة كقوّة خارجية مهيمنة. مع هذا، فإن احتمال أن تقوم القوى العظمى المتنافِسة في الشرق الأوسط في المضيّ قدماً، سيتطلّب الكثير من الإبداع والمشاورات حول الشرق الأوسط الكبير من قِبَل كل من إسرائيل والولايات المتحدة.

الحفاظ على الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، يُعدّ مصلحة إسرائيلية راسخة


* أولويات نهج استراتيجي أميركي - إسرائيلي مشترك: يجب أن يربط النهج الأميركي - الإسرائيلي المشترك الوضع في الشرق الأوسط، بالدور المتنامي لروسيا والصين على المستوى العالمي. يجب على الولايات المتحدة وإسرائيل رفع مكانة روسيا إلى أولوية استراتيجية في علاقتهما الثنائية، وزيادة التشاور والتنسيق الرسميَّين في شأن احتواء التحديات التي تمثّلها روسيا لمصالح كلا البلدين: في الشرق الأوسط وفي المجالَين السيبراني والتكنولوجي. وعلى الرغم من أن الصين تختفي في كواليس الشرق الأوسط، يجب الاعتراف بها كعامل ذي صلة في أيّ استراتيجية أميركية - إسرائيلية مشتركة.
* قابلية الدول الفاشلة للتأثُّر: يجب إيلاء اهتمام خاصّ للدول الفاشلة، مثل سوريا وليبيا واليمن. هذه هي البلدان التي يرجّح فيها استمرار مشاركة روسيا والقوى الخارجية الأخرى، ويمكن أن تسبّب في المستقبل معظم المتاعب لواشنطن والقدس.
* رسائل إسرائيل إلى واشنطن في شأن روسيا: يجب على إسرائيل أن تُظهر للولايات المتحدة أنها تدرك نيّة روسيا لتقليص نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهو ما يتعارض مع المصالح الإسرائيلية الأساسية. كما يجب على إسرائيل أن تواصل ممارسة الشفافية الكاملة مع واشنطن في ما يتعلّق بعلاقتها مع موسكو، والتي ترتكز على عدم التضارب، ودعم إجراءات السلامة، وضمان حرية العمل في سوريا.
* موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي: يجب أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي حسّاساً تجاه صورة ارتباطاته مع الرئيس فلاديمير بوتين، بينما يبني الثقة تجاه الولايات المتحدة.
* مظاهر الدعم الأميركي: الحفاظ على الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، يُعدّ مصلحة إسرائيلية راسخة. يمكن للولايات المتحدة النظر في ظهور مسؤوليها في المواقع التي تشير إلى دعم الولايات المتحدة لإسرائيل وعملياتها للردّ على إيران في المنطقة.

مجالات محدودة للتعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل:
* تشجيع روسيا في سوريا: يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل النظر في دور خاص لروسيا في سوريا كوسيلة للعمل مع موسكو للحدّ من الوجود الإيراني في هذا البلد.
* زيادة التمويل لتحقيق تسوية سياسية في سوريا: يمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية أن تلعب دوراً في إعادة إعمار سوريا في المستقبل، عبر استخدام الموارد المالية كرافعة لتحقيق النتائج المرجوّة، مثل تقليص الوجود والنفوذ الإيرانيَّين في سوريا.
* التشاور مع روسيا حول الملف النووي الإيراني: يمكن للتشاور أن يعزّز البنود التي يتّفق عليها الطرفان، ولا سيما الإجراءات المتعلّقة بـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» لتفتيش أنشطة إيران ومراقبتها.
* تثبيط المبيعات الروسية لأنظمة السلاح المتطوّرة إلى الشرق الأوسط: يمكن ممارسة الضغط على روسيا لجعل بيع أنظمة الأسلحة المتطوّرة إلى كيانات مختلفة مكلفاً، ما قد يخلّ بتوازن القوى في الشرق الأوسط. شحن الصواريخ إلى إيران أو مقاتلات الدفاع الجوي «سو-35» إلى مصر، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدّي إلى فرض عقوبات.

أَعدَّ هذا التقرير ‬«معهد‭ ‬كينان»‭ ‬التابع‭ ‬لـ«مركز‭ ‬ويلسون» الأميركي بالتعاون مع مركز IDC التابع لمعهد IPS الإسرائيلي، وبمشاركة 15 خبيراً، من مثل عاموس جلعان وجيمس جيفري وآخرين. ‬نُشر التقرير في أيار، عام 2021.