طهران | بعد ظهر يوم الثلاثاء، الخامس من نيسان، هاجم شخص بسكّين، ثلاثة رجال دين في ضريح الإمام الثامن للشيعة في مدينة مشهد (شمال شرقي البلاد). وعلى الفور، توفّي اثنان من هؤلاء، هما محمد أصلاني ومحمد صادق دارائي، بينما لا يزال الثالث، وهو محسن باكدامن، في المستشفى. وإذ لا يشغل أيٌّ من الضحايا مناصب حكومية، فقد أفادت التقارير بأنّهم كانوا ينشطون في مجال الدعوة الدينية في ضواحي مشهد. وفيما جرى القبض على أحد المهاجمين، اتّهم الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، أول من أمس، "التيار التكفيري" بالوقوف وراء الحادث، محذّراً من أنّه "لا يجب السماح للمستعمرين والمنافقين، باستغلال الخلافات العرقية والطائفية لبثّ الخلاف بين شعبنا". وكلّف وزارة الأمن بتحديد منفّذي هذا الهجوم "بسرعة"، من خلال التعاون مع "المؤسّسات ذات الصلة".

بدورها، لم تدلِ السلطات القضائية والأمنية، إلى الآن، بوجهة نظر رسمية بشأن هوية أو جنسية المهاجم، الذي أُلقي القبض عليه في اليوم ذاته في موقع الحادث. إلّا أنّ تصريحات رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، حملت إشارات ضمنية إلى أنّ المهاجم أفغاني الجنسية، على الأرجح. وإذ حذّر قاليباف من "المساس بالصداقة والأخوة بين الشعوب"، فقد رأى أنّه "يجب التحلّي بالوعي واليقظة"، مضيفاً أنّ "العديد من إخوتنا الأفغان كانوا قد شاركوا في ساحات القتال، إبان فترة الدفاع المقدّس، دفاعاً عن هذه البلاد". وعلى الجانب الآخر، قال المتحدّث باسم حركة "طالبان"، ذبيح الله مجاهد، في بيان مقتضب، إن "الإمارة الإسلامية، تندّد بمهاجمة أماكن العبادة وعلماء الدين في إيران"، مؤكّداً أن "هذا العمل لا علاقة له بالأفغان وأفغانستان".

حملت تصريحات رئيس البرلمان إشارات ضمنية إلى أنّ المهاجم أفغاني الجنسية


في غضون ذلك، نقلت وكالة الجمهورية الإسلامية الرسمية للأنباء (إرنا) عن "مصدر مطلع"، قوله إنّ "المشتبه به يبلغ من العمر 21 سنة، ويحمل أفكاراً تكفيرية، وكان قد دخل إيران بصورة غير شرعية عبر الحدود الشرقية للبلاد". وجاء ذلك فيما أفادت السلطات القضائية الإيرانية بأنّه "حتّى الآن، جرى القبض على ستة أشخاص على صلة بهذا الهجوم، أحدهم على الأقل، شقيق المشتبه فيه في تنفيذ الاعتداء". وأشارت وكالة "تسنيم" شبه الرسمية، القريبة من الحرس الثوري، إلى أنّ المنفّذ "يُدعى عبد اللطيف مرادي، ويبلغ من العمر 21 سنة، وهو من عرقية الأوزبك"، مضيفة أنّه "دخل إيران قبل سنة، بصورة غير شرعية، عبر حدود باكستان، وأقام في مدينة مشهد". وتابعت الوكالة أنه "يحمل أفكاراً تكفيرية"، ويرى أنّه "يجب سفك دماء الشيعة". ووفق "تسنيم"، فإنّ عبد اللطيف مرادي "كان ناشطاً في بعض مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسمّيات عدّة، بما فيها عبد اللطيف السلفي وحسن مرادي وأبو العاقب الموحّد، وكان بصدد نشر أفكار تكفيرية، ومواجهة الشيعة". وفي الوقت ذاته، أظهر بحثُ "الأخبار" أن حساباً على موقع "تويتر" باسم "أبو العاقب الموحد"، كان قد أُنشئ في شباط 2022، كما أن ثمة شبهاً كبيراً لصاحبه مع منفّذ الاعتداء في مشهد. ويحتوي هذا الحساب على فيلم لصاحبه، يعتبر فيه الشيعة تيّاراً "مشركاً" و"خارجاً عن الإسلام".
من جهتها، ربطت صحيفة "كيهان"، القريبة من مكتب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، حادثة مشهد بقتل رجُلي دين من أهل السنّة في كنبد كاووس شمال إيران، يوم السبت في الثاني من نيسان. ورأت الصحيفة أنّه مع ازدياد الحملات الإعلامية التي تطرّقت إلى "تدفّق المهاجرين من بعض الرعايا الأجانب على إيران، وتركيز بعض وسائل الإعلام المناوئة للثورة، وإبرازها التجمّعات المناهضة للمهاجرين في عدّة نقاط من البلاد، يبدو أنّ حادثة مشهد تمثّل جزءاً من الأحجية الأمنية المصمّمة على يد المتآمرين لزرع بذور الفتنة بين الإيرانيين والمهاجرين وبين الشيعة والسنّة". ولم يقتصر طرح موضوع بثّ الفرقة والفتنة، كدافع لمهاجمة "الدعاة الجهاديين" وضلوع القوى الأجنبية فيه، على الأصوليين. فقد قال رجل الدين الإصلاحي، محمد علي أبطحي، الذي كان النائب الأول لرئيس الجمهورية في الحكومة الأولى لمحمد خاتمي، على حسابه على "تويتر"، إنّه "لا يجب النظر إلى مهاجمة طلبة علوم الدين في مشهد في إطار الشأن الداخلي"، معتبراً أنّ "تبعات تصعيد النعرات الطائفية يمكن أن تشكّل بداية لانطلاق حروب أهلية ذات طابع طائفي متطرّف من مشهد".