لندن | سيظلّ رئيس الوزراء الهنغاري الحالي، فيكتور أوربان، في منصبه، لأربع سنوات أخرى، بعدما حقّق حزبه انتصاراً مدوّياً في انتخابات عامّة أُجريت في البلاد، يوم الأحد الماضي. وقوبلت تلك الأنباء بارتياح كبير في موسكو، انعكست تهنئة عاجلة وحارّة من قِبَل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. ويأتي هذا الفوز في وقت تتّهم فيه بروكسل أوربان بالفساد، والاستخفاف الممنهج بـ«المعايير الديموقراطية وحقوق الإنسان»، والهيمنة على وسائل الإعلام في الجمهورية التي يبلغ عدد سكّانها حوالى 10 ملايين نسمة. وكانت حكومة بودابست قد خالفت توجّه معظم دول الاتحاد الأوروبي في إطار الأزمة بشأن أوكرانيا، عندما رفضت اتّخاذ موقف متشدّد ضدّ موسكو، ومنعت نقل الأسلحة عبر أراضيها إلى كييف، بينما تصّر على استمرار اعتمادها شبه الكلّي على تدفّق إمدادات النفط والغاز من روسيا، بأسعار تفضيليّة.

وراهن تحالف عريض من ستّة أحزاب - وسطية وليبرالية ويسارية - يحظى بتأييد ضمني من بروكسل وجهات أخرى في الغرب، على اللحظة الأوكرانية لإقصاء أوربان - الذي تربّع على عرش السلطة منذ عام 2010 -، أو أقلّه على تشكيل معارضة قويّة لحكومته من داخل البرلمان. وقد دعا التحالفُ الناخبين إلى برنامج غربي التوجّهات، يتضمّن دعم أوكرانيا في مواجهة العملية العسكرية الروسية، ونسْج علاقات وثيقة مع الشركاء في الاتحاد الأوروبي و«حلف شمال الأطلسي». لكن آمال المعارضين - وداعميهم - خابت عندما فازت أحزاب اليمين بـ198 مقعداً من أصل 199، من دون أن يتمكّن الأوّلون من الحصول على مقعد واحد، بعدما فاز ممثّلٌ للكتلة السكانية من الهنغاريين ذوي الأصول الألمانية بالمقعد المتبقّي. وبحسب النتائج شبه النهائية، فإن حوالى 53 في المئة من الناخبين صوّتوا لحزب الرئيس أوربان، «فيدس» - يمين -، مقابل 35 في المئة منحوا ثقتهم لتحالف المعارضة. لكن تلك النتائج، وفق النظام الانتخابي المعتمَد في هنغاريا، كانت كافية لإقصاء المعارضة بالكامل من البرلمان، وتمتّع «فيدس» بالأغلبية المطلقة - 135مقعداً -، الأمر الذي يمنح رئيس الوزراء صلاحيّات شبه ملَكية في إدارة شؤون الجمهورية، حتى عام 2026. وفاز ببقيّة المقاعد حزبان يمينيان آخران، هما «متّحدون من أجل هنغاريا» - 58 مقعداً -، و«حركة وطننا» اليميني المتطرّف، الذي تَشكّل حديثاً وتمكّن من حصد 6 في المئة من مجموع الأصوات، متجاوِزاً عتبة الـ5 في المئة اللازمة للحصول على تمثيل في البرلمان.
ويقول خبراء معنيّون بشؤون هنغاريا تعليقاً على النتائج المعلَنة، إن «الجمهورية في بودابست تبدو وكأنها وصلت إلى نقطة اللاعودة»، مضيفين أنّ «الملعب يميل كثيراً، إلى درجة أنه أصبح من المستحيل عمليّاً استبدال فيدس من خلال الانتخابات».

دعت المعارضة الناخبين إلى برنامج غربي التوجّهات يتضمّن دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا


وفي الواقع، كانت غالبية المراقبين تتوقّع استمرار أوربان في السلطة، بالنظر إلى غلَبة التوجّهات اليمينيّة على الهنغاريين، لكن الثقة الكبيرة التي حصل عليها الرئيس العتيد، وبالتالي سيطرة «فيدس» على ثلثَي مقاعد البرلمان، صدمت خصومه، الذين نحّوا خلافاتهم الأيديولوجية واتّحدوا في محاولة لإقصائه. كما أثارت استياء في أروقة بروكسل التي عانت طويلاً من مشاغباته ومحاولاته تشكيل محور يمينيّ الهوى داخل التكتّل الأوروبي. ويبقى أكثر الممتعضين من هذه النتيجة الحاسمة، الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الذي انتقد أوربان بشدّة عشيّة الانتخابات الهنغاريّة، كونه اتّخذ مواقف مغايرة عن بقيّة أوروبا، التي اتّحدت لإدانة بوتين، ودعم العقوبات ضدّ موسكو، وإرسال مساعدات وأسلحة إلى كييف. وقال زيلينسكي إنّ أوربان هو «الوحيد في أوروبا الذي يدعم السيّد بوتين علناً». ومساء الأحد، ردّ أوربان على زيلينسكي، في خطاب النصر الذي ألقاه بعد إعلان النتائج الأوّلية، حيث أشار، أمام جمهور عريض من أنصاره، إلى الرئيس الأوكراني كأحد المعارضين الذين واجههم حزبه في الانتخابات، إلى جانب قائمة أعدائه المعتادة. وقال إنّ هؤلاء هم «اليسار في الداخل، واليسار الدولي، وبيروقراطيو بروكسل، وإمبراطورية سوروس - المموّل الأميركي من أصول هنغاريّة - بكلّ أموالها، ووسائل الإعلام الدولية الرئيسة، وحتى الرئيس الأوكراني». وأكّد أن «فيدس» حقّق «انتصاراً كبيراً يمكن رؤيته من القمر، ومن بروكسل بالتأكيد». كذلك، شكر أوربان من سمّاهم «حلفاءه في الخارج»، معتبراً أنه «يمكن للعالم بأسره أن يرى أن السياسات الديموقراطية المسيحية والمدنية المحافِظة والوطنية قد انتصرت. نحن نقول لأوروبا إن هذا ليس الماضي، بل هو المستقبل، مستقبلنا الأوروبي المشترك».
من جهته، أقرّ زعيم المعارضة، بيتر ماركي - زاي، بالهزيمة، بعد وقت قصير من خطاب أوربان. لكنه قال إن «فيدس فاز في ظلّ نظام مِن صُنعه، وفي معركة غير متكافئة للغاية». وأضاف، أمام جمهوره في بودابست مساء الأحد الماضي: «لا نجادل في فوز فيدس في هذه الانتخابات. أمّا كون هذه الانتخابات ديموقراطية وحرّة، فهو أمرٌ نعارضه». في المقابل، وإلى جانب التهنئة من بوتين، تلقّى أوربان تهنئة من الرئيس التشيكي، ميلوش زيمان، وزعيم حزب «رابطة الشمال» ونائب رئيس الوزراء الإيطالي السابق، ماتيو سالفيني، وزعماء أحزاب يمينية في بريطانيا ورومانيا وإسبانيا، وكذلك من زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي، ماريان لوبان، المرشّحة للانتخابات الرئاسية، التي ستَجري هناك خلال هذا الشهر.
يبقى أنّ الحرب في أوكرانيا ومواقف أوربان فيها، أثارت صعوبات بين بودابست وحليفتها المقرّبة وارسو، ومع بقيّة دول مجموعة «فيشغراد فور»، التي تضمّ سلوفاكيا والتشيك إلى جانب بولندا وهنغاريا، والتي اختارت الانحياز الصريح إلى جانب واشنطن وبروكسل في المواجهة مع موسكو. وتُعدّ بولندا، التي تَحكمها أيضاً حكومة يمينية، الشريك الأكثر دعماً لهنغاريا داخل الاتحاد الأوروبي. لكن زعيم الحزب الحاكم في بولندا وحليف أوربان، ياروسلاف كاتشينسكي، قال في تصريحات، خلال الأسبوع الذي سبق التصويت في الانتخابات الهنغاريّة، إنه «غير راضٍ عن موقف أوربان من روسيا».



في صربيا أيضاً... التجديد لحليف روسيا


غير بعيد من بودابست، كان الصربيّون على موعد مع انتخاباتهم العامّة - رئاسية وبرلمانية وبلدية -، يوم الأحد الماضي. وجدّد الناخبون ثقتهم بالرئيس ألكسندر فوتشيتش، وحزبه «التقدّمي الصربي»، لولاية جديدة. وتعدّ صربيا أحد أهم حلفاء روسيا في شرقي أوروبا، وفي عهد فوتشيتش، تعمّقت علاقاتها في مختلف المجالات مع موسكو وبكين. وتسيطر الصين، الآن، على البنية التحتية الرئيسة فيها، بما في ذلك صناعة الصلب المهمّة، والتي يخشى بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي أن تمنح بكين مزيداً من النفوذ في بروكسل، في حال انضمّت صربيا تالياً إلى الاتحاد الأوروبي. وكانت حكومة بلغراد قد رفضت الانضمام إلى الحصار الاقتصادي الغربي ضدّ موسكو، وأصبح طيرانها الوطني صلة الوصل بين أوروبا وروسيا، بعدما توقّف الطيران المباشر بين موسكو وعواصم دول الاتحاد الأوروبي.