ماذا تعني الحرب الروسية على أوكرانيا بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي؟ خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، طغت العقوبات على الاقتصاد الروسي. بعد فترة وجيزة من غزو الكرملين لأوكرانيا، بدأ الغرب في الاستيلاء على أصول أغنى الأفراد المقرّبين من الرئيس فلاديمير بوتين، ومنع الرحلات الجوية الروسية في مجالها الجوي، وقيّد وصول الاقتصاد الروسي إلى التكنولوجيا المستوردة. الأمر الأكثر دراماتيكية، هو أن الولايات المتحدة وحلفاءها جمّدوا الأصول الاحتياطية للبنك المركزي الروسي وعزلوا روسيا، ليس فقط عن نظام المدفوعات المالية SWIFT، ولكن أيضاً عن المؤسّسات الأساسية للتمويل الدولي، بما في ذلك جميع البنوك الأجنبية وصندوق النقد الدولي. ونتيجة لتصرّفات الغرب، انهارت قيمة الروبل، وظهر نقصٌ في الاقتصاد الروسي، ويبدو أن الحكومة على وشك التخلّف عن سداد ديونها بالعملة الأجنبية. وقد أَجبر الرأي العام ــــ والخوف من التعرّض للعقوبات ــــ الشركات الغربية على الفرار بشكل جماعي من البلاد. وقريباً، لن تتمكّن روسيا من إنتاج الضروريات، سواء للدفاع أو للمستهلكين، لأنّها ستفتقر إلى المكوّنات الأساسية.

إنّ رد العالم الديموقراطي على عدوان موسكو وجرائم الحرب صحيح، من الناحية الأخلاقية وعلى أسُس الأمن القومي. هذا أكثر أهمية من الفعالية الاقتصادية. لكن هذه الإجراءات لها عواقب اقتصادية سلبية، ستتجاوز الانهيار المالي لروسيا، وستستمر، وهي ليست جيّدة. على مدى السنوات العشرين الماضية، كان هناك اتجاهان يسهمان، بالفعل، في تآكل العولمة، في مواجهة مسيرتها التي من المفترض أن لا هوادة فيها. أولاً، أقام الشعبويون والقوميون حواجز أمام التجارة الحرّة والاستثمار والهجرة وانتشار الأفكار ــــ وخصوصاً في الولايات المتحدة. ثانياً، شجّع تحدّي بكين للنظام الاقتصادي الدولي، القائم على القواعد والترتيبات الأمنية الطويلة الأمد في آسيا، الغرب على إقامة حواجز أمام التكامل الاقتصادي الصيني. إنّ الغزو الروسي والعقوبات الناتجة منه سيجعلان هذا التآكل أسوأ الآن.
(...) الأضرار التي تلحق بالاقتصاد الروسي والتكاليف الباهظة التي تتحمّلها أوروبا الوسطى، إذا قطعت روسيا وصولها إلى الغاز الطبيعي والنفط ردّاً على ذلك، قد تجعل الحكومات تسعى إلى الاعتماد على الذات وتحرّر نفسها من الروابط الاقتصادية. ومن المفارقات أنّ هذا سيكون هزيمة ذاتية. يُظهر الانكماش الاقتصادي الحاد الحالي في روسيا مدى صعوبة ازدهار الدول، من دون الاعتماد الاقتصادي المتبادل، حتّى عندما تحاول تقليل ضعفها المتصوّر إلى الحد الأدنى. بالإضافة إلى ذلك، أدّت محاولات روسيا لجعل نفسها مستقلّة اقتصادياً، في الواقع، إلى زيادة احتمال تعرّضها للعقوبات، لأنّ الغرب لم يكن مضطرّاً إلى المخاطرة بالقدر نفسه لفرضها. لكن هذا لن يمنع العديد من الحكومات من محاولة التراجع إلى زوايا منفصلة، بحثاً عن حماية نفسها من خلال الانسحاب من الاقتصاد العالمي.
(...) يبدو الآن من المحتمل أنّ الاقتصاد العالمي سينقسم حقّاً إلى كتل ــــ واحدة موجّهة حول الصين وأخرى حول الولايات المتحدة، مع الاتحاد الأوروبي في الغالب، ولكن ليس بالكامل. في المعسكر الأخير، تحاول كلّ واحدة عزل نفسها عن الأخرى، ثم تقليل تأثير الأخرى. ستكون العواقب الاقتصادية على العالم هائلة، ويحتاج صانعو السياسة إلى إدراكها، ثم تعويضها قدر الإمكان.

الدولار يتحمّل
رغم كلّ الحديث عن «تسليح التمويل»، كانت العقوبات المفروضة على روسيا فعّالة، فقط لأنّ التحالف الدولي الذي فرضها كان واسع النطاق وملتزماً. تجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي، على سبيل المثال، لا يصلح إلّا إذا كانت غالبية النظام المالي العالمي على استعداد للقيام بذلك. ما كان مهمّاً هو التحالف، وليس التمويل، نظراً إلى أنّ التحالف المناهض لروسيا يضمّ جميع المؤسّسات المالية الرئيسية باستثناء البنوك الصينية ــــ وبما أنّ البنوك الصينية لا تريد أن تُستبعد من هذا النظام ــــ فلن تؤدّي العقوبات المالية إلى أيّ تغييرات جوهرية في النظام النقدي أو المالي العالمي.
(...) سيُكافح اليوان الصيني ليصبح بديلاً رئيسياً للدولار، حتى بالنسبة إلى الاقتصادات في كتلة بكين. وطالما أنّ الصين تمنع الناس من استعادة الأصول بحرية من نظامها المالي المحلّي، فإنّ المستثمرين، وحتى البنوك المركزية التي تتبنّاها، سيمتثلون لتهديدات العقوبات التي تفرضها واشنطن على بكين. يمكن أن تتغلّب هذه الأخيرة على هذه المشكلة بجعل اليوان قابلاً للتحويل بحرّية، بدلاً من التحكّم به. ولكن إذا حدث ذلك، من المرجّح أن تنخفض قيمة اليوان بشكل حاد لفترة طويلة، كما حدث في الفترة من عام 2015 إلى عام 2016، عندما فتحت الصين حساب رأس المال مؤقتاً، لأنّ المليارات من الأشخاص الذين يحتفظون بمدّخراتهم فيها، يائسون من تنويع محافظهم، عن طريق نقل أصولهم إلى مكان آخر سعياً وراء عوائد أعلى. يمكن للصين، بالطبع، أن تصبح عملة احتياطية للاقتصادات الصغيرة التي تهيمن عليها وللدول المنبوذة والبلدان التي ليس لديها بديل حقيقي. لكن هذا لن يسهم كثيراً في تنويع أو خلق عوائد تفضيلية للمدّخرات الصينية، ويمكن أن يأتي بنتائج عكسية من خلال تشابك النظام المالي الصيني ضمن عدم الاستقرار المالي لدول أخرى.
(...) إذاً، لن يؤدّي الغزو والعقوبات إلى تغييرات مالية هائلة في الاقتصاد العالمي. لكنّه سيسرّع من تآكل العولمة الجاري بالفعل، وهي عملية سيكون لها تأثيرات واسعة النطاق. ومع ترابطٍ اقتصادي أقل، سيشهد العالم نمواً أقل في الاتجاه وابتكاراً أقل. وستتمتّع الشركات والصناعات المحلّية القائمة بمزيد من القوة للمطالبة بحماية خاصة. إجمالاً، ستنخفض العائدات الحقيقية على الاستثمارات التي تقوم بها الأُسر والشركات.
(...)، كذلك، فإنّ تآكل العولمة ستكون له عواقب سلبية على التكنولوجيا. يكون الابتكار أسرع وأكثر شيوعاً عندما تُشارك المجموعة العالمية من المواهب العلمية، ويمكنها تبادل الأفكار ومشاركة إثبات أو دحض المفاهيم. (...) ستكون النتيجة المحتملة تراجعاً في الابتكار، حيث تحرم المؤسّسات البحثية الأميركية والغربية الأخرى نفسها من العديد من الطلّاب والعلماء الصينيين والروس الموهوبين.
سيؤدّي التآكل الشديد للعولمة إلى زيادة تقليص العائد على رأس المال في الاقتصاد العالمي، وسيكون ذلك على كلّ جانب من جوانب الانقسام الاقتصادي. (...) من المرجّح أن يزيد الخوف والقومية من رغبة الناس في الاستثمار الآمن في الداخل، أو في الحكومة أو في الأوراق المالية المدعومة من القطاع العام. ستجمع الحكومات أيضاً بين حجج الأمن القومي وإجراءات الاستقرار المالي المصمّمة لتشجيع الاستثمار في دَينها العام بقوة، كما تفعل أثناء الحروب.
(فورين أفيرز ــــ آدم بوزن)