قرب منتصف ليل السبت - الأحد، سُمع دوي انفجارات عنيفة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق. بدا واضحاً، من المشاهد الأولى، أن الانفجارات كبيرة، ولا تشبه في حجمها تلك التي تُحدِثها الصواريخ قصيرة المدى، والتي تَستخدمها عادة الفصائل العراقية لدى استهداف القواعد الأميركية. وسرعان ما تبيّن أن الصواريخ، وعددها 10 قصيرة المدى، أتت من الجهة الشرقية للعراق، وتحديداً من المحافظات الغربية في إيران. وقيل، بدايةً، إنها استهدفت مبنى قيد الإنشاء تابعاً للقنصلية الأميركية في أربيل، ليتبيّن لاحقاً أن الضربة استهدفت مزرعة قريبة، تحوي منزلاً كبيراً.

وهذه ليست المرة الأولى التي تَستخدم فيها إيران صواريخ باليستية شبيهة (تشير المعطيات إلى أنها من طراز "فاتح 110"، دقيقة الإصابة)؛ فقد جرى سابقاً استهداف مقرّ "الحزب الديموقراطي الكردستاني" في 8 أيلول 2018، في منطقة كوي سنجق في إقليم كردستان شمال العراق، بواسطة 7 صواريخ باليستية من طراز "فاتح 110". كما استُخدمت صواريخ باليستية مشابهة عام 2020، لدى استهداف قاعدة "عين الأسد" الأميركية في العراق، في سياق الردّ المباشر على اغتيال قائد "قوّة القدس" الجنرال قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة "الحشد الشعبي" في العراق، أبو مهدي المهندس، ومرافقيهما.
وحسم "الحرس الثوري"، أمس، الجدل الذي دار حول الهدف الذي جرى ضربه، إذ أعلن، في بيان، أنه استهدف "المركز الاستراتيجي للتآمر والشرّ الصهيوني بصواريخ قوية ونقطوية"، محذراً "الكيان الصهيوني الإجرامي من أن تكرار أيّ أعمال شريرة سيواجَه بردود فعل قاسية وحاسمة ومدمّرة". وبعيداً من طبيعة الهدف، وما نتج منه من خسائر بشرية ومادية، يبقى عاملان مهمّان هما الأكثر إثارةً لقلق العدوّ، يتعلّقان بالقدرات الاستخبارية لدى إيران وحلفائها في المنطقة، حتى في ساحات لا تُعدُّ "صديقة"، وبالقدرة العملياتية على استهداف مواقع معادية بشكل دقيق وسريع. وبالنظر إلى العامل الأوّل، ففي القدرة على تحديد مواقع تابعة لـ"الموساد" خارج الأراضي المحتلة، دلالات عدة حول القدرات الاستخبارية لدى قوى محور المقاومة التي تتبادل المعلومات في ما بينها. وعقب تحديد الأهداف، يبقى العامل الثاني الذي قد يكون أكثر تعقيداً، وهو القدرة على الاستهداف بالطريقة المناسبة. واستخدام الصواريخ الباليستية، وإصابة أهدافها بدقة شديدة، في نقاط قريبة من مواقع أميركية، من دون أن تتعرّض هذه الصواريخ للاعتراض، يدلّل على القدرات العالية التي وصلت إليها تكنولوجيا تطوير الصواريخ الباليستية الدقيقة، لدى "القوة الجوفضائية" في "الحرس الثوري" الإيراني. وبحسب المعطيات المتوافرة، فإن القوات الإيرانية أطلقت صواريخها من قاعدة "سيد الشهداء" الصاروخية، غرب مدينة تبريز الإيرانية، وقد قطعت الصواريخ الباليستية قرابة 260 كيلومتراً، قبل أن تصيب أهدافها بدقّة.

تشير المعلومات إلى أن القوات الإيرانية أطلقت صواريخها من قاعدة «سيد الشهداء» غرب مدينة تبريز


ومن هذه الزاوية، قرأت المنظومة الأمنية الإسرائيلية الحدث الأخير؛ إذ أجمع الخبراء العسكريون والأمنيون في الكيان، في مناسبات سابقة، على أن "حزب الله" بات يمتلك صواريخ من طراز "فاتح 110"، كما أشار هؤلاء إلى أنه تمكّن من تحويل بعضها إلى صواريخ دقيقة قادرة على إصابة أهدافها "نقطويّاً". وهذا بلا شكّ، موضع قلق استراتيجي لدى العدو، حيث يرى اليوم محاكاة واقعية لما يمكن أن يشهده الكيان في أيّ حرب مقبلة مع "حزب الله"، أو محور المقاومة بشكل عام. لكن القلق الإسرائيلي لم يقتصر على المسألة العسكرية والأمنية فقط. فقد جهد الإعلام العبري في البحث عن أسباب هذا الاستهداف، فبينما ربطه بعضهم بمقتل ضابطين إيرانيين في سوريا، قبل نحو أسبوع، إثر غارة إسرائيلية، ذهب آخرون إلى القول إن الاستهداف مردّه أنشطة أمنية ضدّ إيران انطلقت من تلك المنطقة خلال الفترة السابقة. وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أمس، أن "إيران اعتقلت خلية تجسّس تعمل لصالح إسرائيل". وبحسب الصحيفة، فإن "الخلية عملت على تجنيد عناصر بهدف إرسالهم لتنفيذ عمليات أمنية داخل إيران". وفي السياق ذاته، قالت وكالة "تسنيم" الإيرانية، نقلاً عن مصدر مطلع على تفاصيل الهجوم الصاروخي الذي شنه "الحرس الثوري"، قوله، إن "المركز الذي تمّ استهدافه في الهجوم الصاروخي، هو موقع تجمّع عدد كبير من الصهاينة وبالنظر إلى عدد الأشخاص الموجودين في هذه القاعدة، فإن احتمال وقوع إصابات بشرية مرتفع للغاية". وأضاف: "بعض الجرائم الصهيونية الأخيرة ضد إيران انطلقت من الأراضي العراقية، ولهذا السبب عمد الحرس الثوري الإيراني إلى معاقبة الكيان الصهيوني على نفس الأرض التي انطلقت منها التهديدات". وتشير المعطيات إلى أن هجوماً وقع سابقاً، ضد منشأة عسكرية إيرانية في محافظة كرمنشاه، انطلق في الأساس من أربيل. في المقابل، تشير مصادر عسكرية مطلعة في محور المقاومة إلى أن "الردّ على مقتل الضابطين الإيرانيين في سوريا قبل نحو أسبوع، واقع لا محالة"، وهو "موضوع على الطاولة، ويجري العمل عليه". وتضيف هذه المصادر أن "الرد على الاعتداءات، يكون من حيث أتت، وهذا ممكن من عدة ساحات، وعبر عدة طرق".