في كتاب صدر في عام 2004، بعنوان «هوليوود، البنتاغون وواشنطن»، أي في أوج ما سُمّي «الحرب على الإرهاب»، لفت الباحث الفرنسي، جان ميشال فالاتان، إلى الوظيفة الأيديولوجية للصناعة السينمائية الأميركية، وكيفية تعبيرها عن التوجّهات الاستراتيجية السائدة في الدولة العميقة الأميركية، وتحديداً في المؤسّستين الأمنية والعسكرية. مراجعة سريعة للأفلام المنتَجة في تلك الفترة، وكذلك للمسلسلات التلفزيونية، تُظهر كيفية احتلال «الإرهابي العربي و/أو المسلم» دور «الشرير»، في مكان العميل السوفياتي الذي احتلّ الموقع إياه، خلال الحرب الباردة. كنّا في زمن التهديد الصادر عن مجموعات غير دولتيّة. اختلفت الظروف، الآن، وباتت الأجهزة الأمنية للمنافسين الاستراتيجيين ــــ وهم في ميدان الأمن، لا الاقتصاد، الأجهزة الروسية أولاً ومن ثمّ الصينية ــــ هي المتّهمة باستهداف مؤسّسات ومصالح ومواطني الولايات المتحدة. «هافانا واصطياد الضبّاط الأميركيين على صعيد عالمي»، هو عنوان مقالٍ نشر على موقع «ذي سايفر بريف»، لثلاثة مسؤولين سابقين في الاستخبارات الأميركية: بول كولب، الذي خدم لـ 25 سنة في قيادة العمليات في الوكالة، ومارك بوليميروبولس، الذي عمل لـ 26 سنة في الوكالة، وجون سايفر الذي كان عضواً في جهاز عمليّاتها السرية لمدة 28 عاماً. تناول المقال سلسلة استهدافات ضدّ أكثر من 200 عميل للوكالة، بدءاً من عام 2016. المعطيات الواردة فيه تشي بأنّ حرباً أمنية حقيقية تدور على صعيد عالمي، أشرس من تلك التي دارت أيام الحرب الباردة، بين القوّتَين العظميَين اللّتين فضّلتا، آنذاك، الصراع بالوكالة تجنّباً للصدام المباشر، وتشبه إلى حدّ كبير عالم جيمس بوند، العميل البريطاني الأسطوري، الذي أثخن في السوفيات وانتصر دائماً عليهم في أفلامه. لكن الواقع راهناً، هو أن جميع ضحايا الحرب الأمنية الهجينة، حتى الآن، هم من الأميركيين.

أول تصريح رسمي يقرّ بوقوع هجمات ضدّ ضبّاط ومسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، صدر عن مديرها، ويليام بيرنز، وعن نائبه دايفيد كوهين، اللذَين أقرّا في 21 أيلول الماضي، بإصابة عدد كبير من عملاء الوكالة بـ»متلازمة هافانا»، وبينهم أحد مساعدي بيرنز، خلال سفره معه إلى الهند. أكثر من 200 موظف في الوكالة، في العديد من مدن العالم، وبينها موسكو وفيينا وبلغراد وهانوي، عانوا من هذه المتلازمة التي من بين أبرز أعراضها، الصداع الحاد واختلال شديد في التوازن وتشوّش في الرؤية وشعور دائم بالغثيان، اتّضح أنها جميعها ناجمة، بعد خضوعهم لفحوصات طبّية، عن أعطاب كبيرة في أنسجة الدماغ. أُطلق على هذه العوارض تسمية متلازمة، لأن الحالات الأولى التي تمّ الكشف عنها، في عام 2016، هي لعملاء للوكالة أصيبوا بها في العاصمة الكوبية، غير أن دائرة الإصابات اتّسعت لتشمل بلداناً أخرى من العالم. يجزم كتّاب المقال الثلاثة، كولب وبوليميروبولس وسايفر، نقلاً عن «الأكاديمية الوطنية للعلوم» في الولايات المتحدة، بأن تلك الأعطاب الدماغية ناتجة من استهداف العملاء المذكورين بأسلحة طاقة موجّهة، تبثّ ذبذبات مايكرويف، لا تملكها سوى دول، كالولايات المتحدة وروسيا والصين، وعدد آخر محدود من البلدان. وبما أن الكتّاب الثلاثة ليس لديهم أدلّة قطعية على مسؤولية روسيا عن مثل هذه الأفعال، فهم يستندون إلى ممارسات شبيهة سابقة قامت بها لإدانتها تماماً. إذ يشيرون إلى أنها «أغرقت» السفارة الأميركية في موسكو بذبذبات المايكرويف، لعقود، وأن مسؤولين سابقين في الوكالة أكدوا أنها شنّت هجمات سيبرانية على بنى تحتية حيوية في أميركا وعلى شبكات الإنتاج، واغتالت معارضيها في الشوارع، مستخدمة سموماً نووية وكيميائية، وأقدمت على تخريب مخزن ذخائر في تشيكيا، وتورّطت في محاولة انقلابية في مونتينيغرو. هذا السلوك مردّه، وفقاً للمسؤولين السابقين المذكورين، إلى اقتناع روسيا بأنها في حالة حرب مع الغرب.
طبعاً، لا يتطرّق الكتّاب الثلاثة إلى دوافع مثل هذا الاقتناع، كاستمرار استراتيجية الاحتواء والتطويق الأميركية ضدّ روسيا، عبر الانتشار العسكري والصاروخي في جوارها، والإصرار على توسيع «الناتو» شرقاً، وصولاً إلى حدودها، من خلال السعي لضمّ أوكرانيا وجورجيا إليه، ومحاولات زعزعة استقرارها الداخلي. روسيا تفعل ما تفعله، على الرغم من أنه لا دليل على أنها من يفعل، لأنها «شريرة»، وليس لأنها، مع الصين، في دائرة الاستهداف الأميركي العلني! وبعد الانتهاء من إعلان لائحة الاتهامات ضدّ روسيا، ينتقل العملاء السابقون الثلاثة إلى مجموعة من التوصيات لصنّاع القرار الأميركيين، وأهمّها تفعيل البند الرابع في ميثاق حلف «الناتو»، واعتبار أن روسيا تشنّ حرباً غير تقليدية على دولة عضوٍ في الحلف، وزيادة الانتشار العسكري الأميركي في بولونيا ودول البلطيق ومنطقة البحر الأسود، وكذلك تطوير تسليح وتدريب الجيش الأوكراني. ويضيفون إن المطلوب هو الحدّ من تدفّق السيّاح ورجال الأعمال الروس نحو بلدان الغرب، لأن بينهم، بحسب رأيهم، العديد من عملاء الاستخبارات، واللجوء إلى عقوبات مالية ومصرفية صارمة بحق الشركات والأفراد المتورّطين في أنشطة مناهِضة للغرب، أمنية كانت أو إعلامية. من الواضح أن المنطق الذي يحكم مقاربتهم، هو الذي يفترض أن الرد الأمثل على أيّ عمل يصنّف عدائياً، هو الانتقال إلى طور أعلى من المواجهة. بكلام آخر، إذا كانت روسيا تستهدف عملاءنا لأنها ترى أننا نسعى إلى استكمال تطويقها عسكرياً، فإن علينا المُضيّ قدماً بهذه الاستراتيجية. وبمعزل عمّا إذا أخذ صنّاع القرار الأميركيون بجميع هذه التوصيات، أو ببعضها، فإن الأكيد هو أن «الروسي» و»الصيني» سيحتلّان، مجدّداً، دور الشرّير في أفلام الجاسوسية الأميركية، وأن أبطالاً كجيمس بوند، أو غيره سيذودون عن حياض الغرب في مواجهتهم!