تكتسب زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد إلى الولايات المتحدة، ولقاءاته مع نائبة رئيسها كامالا هاريس، ورئيس مجلس أمنها القومي جايك سوليفان، ووزير خارجيتها أنتوني بلينكن، وكذلك اجتماعه مع اللوبي الإسرائيلي المقرَّر صباح الخميس المقبل، أهمية خاصة، مع الإعلان عن قرب العودة إلى المفاوضات بين طهران والقوى الغربية حول البرنامج النووي الإيراني، والمتوقَّعة في بدايات شهر تشرين الثاني. وعلى الرغم من أن إمكانية التوصّل السريع إلى تفاهمات تتيح العودة للعمل بموجبات اتفاق 2015، غير محسومة حتى الآن، نتيجة تمسّك الطرفَين الأميركي والإيراني بشروطهما التي حالت دون ذلك، فإن احتمال مثل هذه العودة، في ظلّ السياقات الدولية والإقليمية المستجدّة، يُثير مخاوف متعاظمة في الكيان الصهيوني. وقد عكس النقاش العلني الدائر هناك، بمشاركة عدد من المسؤولين السياسيّين والعسكريّين السابقين، والاتهامات التي يكيلها بعضهم لبعض، بوضوح، هذه المخاوف، التي لا تندرج فقط في المسعى الإسرائيلي التقليدي للحصول على المزيد من الدعم الأميركي. ومن اللافت أن أبواقاً عربية، وثيقة الصلة بجهات أميركية مغرقة في عدائها لشعوب المنطقة، وتجد في صحف خليجية منبراً للإدلاء بآرائها، تساهم، بدورها، في الحملة على ما تُسمّيه «هرولة» أميركية نحو فيينا. والواقع هو أن مبعث تلك المخاوف الفعلي ليس الاتفاق بذاته، بل تَغيّر جدول الأولويات الأميركية المرتبط بالمواجهة المتصاعدة مع الصين، وتداعياته على موازين القوى الإقليمية المتحوّلة باطّراد لغير مصلحة إسرائيل وحلفاء واشنطن العرب. ويعبّر «انفتاح» هؤلاء على طهران، واستعدادهم لـ«تطبيع» العلاقات معها، عن إدراكهم للبيئة الاستراتيجية المتحوّلة وضرورة التأقلم معها، ما يشكّل، بحسب «هآرتس»، «ضربة قاسية لإسرائيل» و«تشظّياً للتحالف العربي المعادي لإيران»، بينما يحار الطرف الإسرائيلي في اختيار السياسة الملائمة للتعامل معها.

رفْض الولايات المتحدة، وكذلك ألمانيا، دعوة وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، إلى الإفراج عن 10 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المُجمَّدة في بنوك أجنبية، والتي تُقدَّر بنحو 40 مليار دولار، كبادرة حسن نيّة تجاه بلاده قبل انطلاق المفاوضات معها، يُظهر أن الوصول إلى «نهايات سعيدة» ليس قريباً بالضرورة. فالمقاربة الأميركية الرسمية ما زالت تسعى للربط بين الرفع الكامل للعقوبات عن إيران، وبين التفاهم معها ليس على الملفّ النووي وحده، بل كذلك على ملفَّي برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي، أي أن واشنطن تريد أن تكون العودة إلى الاتفاق النووي محطّة أولى للبحث في الملفّات الأخرى، وترغب في الاحتفاظ بأوراق ضغط لهذه الغاية، الأمر الذي لن تقبله إيران بأيّ حال من الأحوال. فهي شرعت، ردّاً على الحرب الهجينة التي تعرّضت لها تحت مسمّى «الضغوط القصوى» باستخدام أدوات اقتصادية ومالية وعمليات أمنية وعسكرية، في تطوير برنامجها النووي ورفع معدّلات التخصيب، حتى أضحت تمتلك خيارات بديلة في حال فشل المفاوضات حول برنامجها النووي. والمعلومات التي رشحت عن قرب توقيعها اتفاقاً استراتيجياً مع روسيا، بعد ذلك المُوقَّع مع الصين، يعزّز أيضاً القناعة، لديها ولدى خصومها، بأن عدم نجاح تلك المفاوضات لن يكون «نهاية العالم» بالنسبة إليها.

تعود طهران إلى مفاوضات فيينا متسلّحة بأوراق قوّة إضافية


هكذا، تعود طهران إلى مفاوضات فيينا مع أوراق قوّة بيدها. ولعلّ أوّل ما يخشاه الطرف الإسرائيلي، في هذا الإطار، هو التطوّر الذي طرأ على برنامجها النووي. إيهود باراك، الذي يعكس رأي قطاع من النخبة العسكرية والسياسية الصهيونية الوثيقة الصلة بالأميركيين، يجزم في مقال نشره في «يديعوت أحرونوت» أن إيران أضحت «دولة عتبة» قادرة على امتلاك السلاح النووي متى شاءت. وهو يرى أن مستويات التخصيب المرتفعة التي وصلت إليها، والتي تجاوزت بنظره الحدّ الذي تتطلّبه الاستخدامات غير العسكرية، لها هدف واحد: القدرة على إنتاج القنبلة، إن اتُّخذ قرار بذلك. يستخفّ باراك بالحجج التي تَفترض أن التخصيب وحده غير كافٍ لإنتاج قنبلة، وأن المطلوب بعده هو تصنيع معدن اليورانيوم والسلاح، ويؤكد أن الإيرانيين الذين عملوا بجدّية وصبر حتى الآن سينجحون في مسعاهم. ويضيف: «إذا كان من الصعب إخفاء عمليات تخصيب بمعدّل منخفض النسبة لأنها تتطلّب بنية تحتية واسعة من المنشآت، فإن الانتقال إلى معدّل مرتفع من التخصيب لإنتاج سلاح نووي يحتاج إلى مدّة زمنية أقصر، ومع أجهزة طرد أكثر تطوّراً، من الممكن إتمامه في منشآت صغيرة يصعب تحديد موقعها. هذا ما فعلته كوريا الشمالية على الرغم من المعارضة الأميركية». غير أن الأهمّ هو تعريفه لمفهوم الدولة العتبة من المنظور الإسرائيلي: «حجّة أخرى تزعم أن هدف إيران هو التحوّل إلى دولة عتبة فقط، والتوقّف عند هذا الحدّ، وهي حجّة قيمتها محدودة جدّاً بالنسبة لنا كإسرائيليين. فإذا كان المعيار هو القدرة على امتلاك السلاح النووي، فلا فارق بين دولة عتبة ودولة نووية. فمن الممكن أن تمتلك دولة عتبة مكوّنات لقنابل نووية، ولا تقوم بتجميعها لتصبح جاهزة للاستخدام، لكنها تستطيع فعل ذلك بعد ساعات أو أيام أو أشهر، وفقاً لرغبات حكومتها». يجري كلّ ذلك، بحسب باراك، بينما تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط للتركيز على التحدّي الصيني. ومع أنه مقتنع بحرص بايدن على إسرائيل، وبعدم تمنّيه تحوّل إيران إلى دولة نووية، فإن هذا الأمر ليس همّاً مركزياً بالنسبة إليه، ومن المحتمل أن يقبل صيرورتها دولة عتبة.
لا ينفرد باراك بمثل هذه القراءة لإمكانية تعديل الموقف الأميركي تحت ضغط المجابهة مع الصين ومتطلّباتها. ففي مقال على موقع «المونيتور» بعنوان «إسرائيل ما زالت تخشى المقاربة الأميركية حيال إيران»، ينسب بين كاسبيت إلى مسؤول عسكري إسرائيلي كبير قوله، إن اجتماع مجموعة التشاور الاستراتيجي الأميركي - الإسرائيلي، والذي عُقد في البيت الأبيض في الـ5 من الشهر الحالي بحضور جايك سوليفان ونظيره الإسرائيلي إيال حولاتا، كان ودّياً في الشكل، وسيّئاً جدّاً في المضمون. «لا وجود لخطّة عملياتية بديلة مشتركة ضدّ إيران في حال فشل الجهود للعودة إلى الاتفاق النووي. والأسوأ هو أنه ليس لدى الأميركيين حلّ من أيّ نوع لمثل هذا الاحتمال... هم يرون الأحداث بطريقة مختلفة تماماً عنّا، وهذا حقّهم، لكن هذه الحقيقة مقلقة جدّاً بالنسبة لنا. هم لا يركّزون على إيران بل على الصين وعلى تحدّياتهم الداخلية».
بطبيعة الحال، لا تفصح المواقف الأميركية الرسمية قبل الجولة القادمة من المفاوضات مع إيران عن مثل هذه التوجّهات، ومن المؤكّد أن إدارة بايدن ستستمرّ في اللجوء إلى تكتيكات وضغوط مختلفة لمحاولة انتزاع تنازلات من طهران، غير أن السؤال هو عن مدى استعدادها وقدرتها على المُضيّ في مثل هذه السياسة، والأثمان المترتّبة عليها، بموازاة تصعيدها ضدّ الصين، خصوصاً وأن الأنباء غير السارّة لا تفتأ تتوالى بالنسبة إليها، وآخرها استقالة رئيس قسم البرمجة في سلاح الجو الأميركي، نيكولاس شايان، لاعتقاده باستحالة انتصار الولايات المتحدة في المنافسة مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وفقاً لموقع «بيزنس إنسايدر». أمّا السفير شاس فريمان، المساعد الأسبق لوزير الدفاع في ميدان الأمن الدولي، والذي عمل سفيراً في أكثر من دولة بينها السعودية، فقد اعتبر أن «رهان الحكومة الأميركية على التسبّب بشلل تكنولوجي في الصين عبر حرمانها من التكنولوجيا الأميركية والغربية، سيحفّزها، على العكس، على استكمال الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، اعتماداً على الإبداع والتجديد المحليَين». جاكوب هلبرغ، الذي أشرف على سياسة «غوغل» الإخبارية العالمية، والمستشار الرئيس في مركز الجيوسياسة والتكنولوجيا في جامعة ستانفورد، يعتبر، من جهته، في كتاب مهمّ بعنوان «أسلاك الحرب. التكنولوجيا والصراع العالمي للسيطرة»، الصادر هذه السنة، أن معركة الريادة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، ستعيد صياغة موازين القوى العالمية في العقود المقبلة، وأن الأولى، وغيرها من «الديموقراطيات»، يسجّلون تراجعاً في هذا الميدان. وبمعزل عن مدى دقّة مثل هذه التحليلات، فإنها تلحظ الصعوبات التي ستعترض طريق الولايات المتحدة في معركتها الطويلة والمستعرة والشاملة لجميع الميادين مع الصين، وما تتطلّبه من تعبئة هائلة للقدرات وابتعاد عن معارك أخرى ستبدو في السنوات القادمة ثانوية.