[*العنوان مركّب من وحي الرواية الديستوبية: «الحفرة» لأندريه بلاتونتوف، و2021 ــــ وهو العام الحالي ــــ على وزن 1948]


أنت أوفلاين؛ في منتصف عتمة رقمية حيث وضعت حياتك، صورتك الشمسية، إنجازاتك وكل ما يتعلّق بك ليراها الآخرون ويعتقدوا أنك بشريّ من السلالة الناجحة. الهاتف لا يعمل. العين تتلصّص على الهاتف المُجاور لمحاولة الفهم. (ماذا) سؤال. (جرى) لا جواب. ارتياب.
قلق وذعر كأن التاريخ لفظك إلى حقبة الكورونا وأخواتها، أو هكذا بدا الحاضر: تباعد اجتماعي، فقدان التواصل، فقدان الاتصال، عدم تحسّس المألوف، رغبة في الاستنجاد و... رينغ رينغ! خبر عاجل: «عطل تقني أصاب معظم وسائل التواصل الاجتماعي على كامل الكرة الأرضية».
متحوّر جديد أصاب العالم الافتراضي ولذع جهازه العصبي، فتهاوت المواقع بالتتالي كأحجار الدومينو: «فايسبوك» يليه «واتساب» ومن ثم «إنستغرام». كورونا بشكلها الديجيتالي؟ ممكن. المهم أن الواقعة وقعت، فتكاثر السلّاخون وكثرت الشائعات، وعليه، إن كل ما يتعلّق بتورّط الطفل الصيني البالغ من العمر 13 عاماً، بهذا العمل، هو مجرّد شائعات مصدرها وحي الخيال. فهو غالباً، وإن سهر زيادة عن اللازم، فمن أجل إكمال لعبه بلعبة «فورتنايت»، أو متربّصاً للتقلّبات في سوق العملات الرقمية، إثيريوم وبيتكوين وغيرهما...
في كل الأحوال، لا شماتة بأحد ولكن لا عزاء للإنفلونسرز؛ مروّجي الصورة، وصنّاع المحتوى وصناع الرأي العام. حدث ما حدث وسنتعامل معها على أنها نتيجة الكارما.
فقد قامت هذه المنصات على الانتهاك والخرق، لخصوصيات المستخدمين والسمسرة بالداتا خاصتهم، من سلوكهم ولغتهم وحتى ملامح أوجههم، في سوق التجارة السياسية واللوبيات المغلقة. وقد قامت على الحجب والمنع لكل محتوى لا يليق بمعاييرها الأخلاقية و«التحرّريّة» الاعتباطية أو ما يخدش شعور طلائع «سيليكون فاليه». بات الفاعل، في ذلك الانقطاع، مفعولاً به، وكان ذاك عقابه. لكن المعتاد على المُعاقبة قد تعاقب، وفي مكمن ضعفه، فتجرّع خسارة باهظة تترجمها الأرقام المالية: ناقص 7 مليارات دولار من ثروة أبي السلالة (زوكربيرغ) في خضمّ 7 ساعات، وهي مدّة غير كافية لتفحّص لائحة الأصدقاء المقترَحين عليك. سقوط حر سريع أسرع من سقوط الأنظمة التي سقطت على يده. إنه اختراق الخارق. والخرق في المعجم هو التمزيق، فيما التمزيق يعني القسوة والفظاظة؛ خَرَق الثوب: مزَّقه، شقّه وثَقبه. وما حدث مع «فايسبوك» وسلالته، الفظّة والقاسية، هو الخرق، والحجب ــــ الوظيفة التي اعتاد أن يمارسها ــــ ليس بطريقةٍ عادية بعملية تشبه الدعابة السريعة العابرة، بل بثقب في القلب، وإفراغه من مكنونه، بضربةٍ لئيمة موجعة تمزّق صدقيته وهيبته وتشقّ قدراته، فجعلت من الخارق (تكنولوجياً) أخرق تشمت به المواقع الأخرى المنافسة له.

يمثّل «فايسبوك» علّة وجود للشخص بمساهمته في نصرة الافتراضي على الواقعي


إنما ما الذي يعنيه فعلياً زوال «فايسبوك» من الوجود؟ العديد من مستخدمي «فايسبوك»، تمنّوا اختفاءه إلى الأبد، وهذه مفارقة غريبة إنما تدل على عشوائية الانخراط من قبل المستخدمين والغرابة في تفاعلهم وإدراكهم وأفقهم في النظر واستعمال الأشياء... وتعال يا لويس أرمسترونغ هذا ليس عالماً جميلاً أبداً. لكنها تصاريح مثل الكثير من الأفكار التي تخرج عن «فايسبوك»، لا يعوّل عليها. فالمشارك في الشيء والمتوغّل فيه، هو متورّط وليس بمقدوره الانسحاب بكبسة زرٍّ، بكل هذه السهولة، بـ 7 ساعات. هذا إن كان لهؤلاء صوت آخر خارج «فايسبوك».
زوال «فايسبوك» عن الوجود إذاً يتماهى جوهرياً مع سؤال الهوية. يمثّل «فايسبوك» علّة وجود للشخص بمساهمته في نصرة الافتراضي على الواقعي. فأن تنشر أي شيء، أي هراء، يعني أنك مرئي، أو مقروء، بالتالي موجود. إن اختفاء «فايسبوك» يعني امّحاءً لهوية، مهما كان نوعها، أصلية أو مرغوبة إنما متأصلة ومعروفة. هذا الامّحاء هو الدخول في غياهب النسيان، يتجاوز الذاتي ليطال العام ليعني اضمحلال حضارة بكاملها، وعصر برمّته، وهو الدخول في النفق والاقتراب من الضوء الذي يأتي في آخره ضوء عرفه جيجيك بأنه قطار يتّجه نحوك. القطار هنا هو هذا المجهول الجاثم والرابض تحت مسمّى «الأبوكاليبس»، الوقت الذي نعيشه ونحياه، حيث الغد غائب ومحيّر، والصدفة تؤكد أنها أصل الكون. سقوط «فايسبوك» هو طيّ للذاكرة، أي الوقوع في الحفرة، هو التاريخ الضائع: الوقت المنهوب الذي لن يعوّضه أحد، والخوف من ظهور هويّة البارحة في جريمة الغد.