طوى الرئيس الأميركي، جو بايدن، جزءاً من إرث الحادي عشر من أيلول، بإنهاء الحرب في أفغانستان. لكنه لم يفعل الكثير بشأن جزء آخر: مركز الاعتقال في خليج غوانتانامو. فبعد عشرين عاماً على هجمات 11 أيلول، تُواصل واشنطن «حربها على الإرهاب»، عبر تلال جنوب شرق كوبا، المعروفة باسم خليج غوانتانامو. هناك، في سجن معزول يبعد بضعة كيلومترات عن القاعدة البحرية، اعتقلت واشنطن مئات الأشخاص، في الأشهر التي تلت الاعتداءات، ليصل عددهم إلى 780 معتقلاً، اشتبهت بارتباطهم بتنظيم «القاعدة». وفيما وصفتهم بـ«مقاتلين أعداء»، فقد حرمتهم من حقوقهم، من دون أن تُحدّد جدولاً زمنياً لمحاكمتهم، أو إطلاق سراحهم. وشهد السجن عمليات استجواب مكثّفة، تخلّلها استخدام أساليب تعذيب وحشية من مثل الإغراق الوهمي، ليتَبيّن بعد كلّ ذلك، أن إدارة جورج بوش الابن ليس لديها أيّ دليل على صلات العديد من المعتقلين بـ«القاعدة»، أو بـ11 أيلول. ومذّاك، تمّ الإفراج عن معظم السجناء الذين وُضعوا أولاً في أقفاص، ثمّ في زنازين أقيمت على عجل في القاعدة العسكرية الأميركية، بعد احتجازهم أكثر من عشر سنوات من دون توجيه تهم إليهم. وبهذا، أصبح «غوانتانامو» مركز الاعتقال الأكثر شهرة في العالم، ليتحوّل، عقب عشرين عاماً، إلى وصمة دائمة على جبين أربع رئاسات أميركية متعاقبة.


محاولات فاشلة للإغلاق
خلال فترة رئاسته، أعلن جورج دبليو بوش أنه يودّ إغلاق سجن غوانتانامو، لكن هذا الأمر لم يتمّ. وعندما تولّى باراك أوباما الرئاسة، في كانون الثاني 2009، كان قد بقي في السجن 240 معتقلاً. أمر أوباما بإغلاق المعتقَل خلال عام، لكن الكونغرس، حيث كان الجمهوريون يهيمنون، منعه من القيام بذلك. إلّا أن الرئيس الديمقراطي مارس ضغوطاً من أجل إطلاق سراح غالبية السجناء، ليتبقّى 41 معتقلاً لدى تولّي دونالد ترامب السلطة، في عام 2017. وفي عام 2018، تعهّد الأخير بإبقاء السجن مفتوحاً، ووقّع أمره التنفيذي الخاص بعكس أمر أوباما، فأوقف عمليات الإفراج، كما استبعد إغلاق السجن، واقترح إرسال مقاتلي تنظيم «داعش» الذين يتمّ أسرهم في العراق وشمال شرق سوريا إليه. واليوم، لا يزال هناك 39 معتقلاً، بمن فيهم خالد شيخ محمد، العقل المدبّر لهجمات 11 أيلول، المحكوم بالسجن مدى الحياة، إلى جانب آخر ينتظر «عقوبته»، وعشرة لم يحاكَموا بعد.

يرى الكثير من المحلّلين أن بايدن سيحاول تجنّب أيّ مواجهة مع الكونغرس


وعلى رغم تعهّد بايدن بإغلاق السجن، وتحرّكه سريعاً للإفراج عن سجين واحد، ووضعه خمسة آخرين على قائمة المؤهّلين للإفراج عنهم، وهو ما ولّد تفاؤلاً لدى البعض، إلا أنه بناءً على التجارب السابقة، لن يكون ذلك كافياً. إذ يرى الكثير من المحلّلين أن بايدن سيحاول تجنّب أيّ مواجهة مع الكونغرس، خصوصاً أن أوباما، الذي أصدر أمراً تنفيذياً بعد فترة وجيزة من تولّيه منصبه بإغلاق «غوانتانامو»، واجه معارضة سياسية عندما أعلنت إدارته أنها ستنقل المحاكمات العسكرية إلى المحاكم الفدرالية. وفي النهاية، أضاف الكونغرس بنداً إلى مشروع قانون التفويض السنوي لـ«البنتاغون»، يحظر على الحكومة نقل السجناء إلى الولايات المتحدة، لأيّ سبب من الأسباب. إلّا أن إشارة برزت أخيراً، أوحت بأن الرياح السياسية قد تتغيّر، بعدما سحب الكونغرس الحظر على نقل المعتقلين، وألغى تمويل المعتقل من ميزانية العام المقبل. لكن فريق بايدن لم يسمِّ بعد أيّ شخص في وزارة الخارجية لقيادة جهدٍ لتأمين اتفاقيات مع دول أخرى لإعادة توطين السجناء، كما حدث في عهد أوباما. ومن هنا، يرى كثيرون أن أبسط حلّ سيكون نقل قضايا المحتجزين العشرة الذين يواجهون المحاكمة أمام لجنة عسكرية، إلى محكمة فدرالية في الولايات المتحدة، وإيجاد طريقة لنقل البقية أو الإفراج عنهم. وعلى رغم أن «غوانتانامو» بات الآن أصغر وأكثر هدوءاً، تبقى الحقيقة أنه «ما زال يشهد تصرّفات قمعية»، وفق ستافورد سميث، مؤسّس منظمة حقوق الإنسان، «ريبريف»، الذي أكّد أن الأمر لا يقتصر على «الظروف المادية والجسدية، بل يتخطّاها إلى الظروف النفسية».