تبدو تركيا منزعجة من كونها خارج الصورة في أفغانستان. وفيما تنسحب القوات الأميركية على وقع سقوط قتلاها، فإن أنقرة، وعلى لسان كبار مسؤوليها، تُجاهر بل تستعجل - إلى حدّ التوسل - حضوراً لها هناك، سواء عسكرياً أو مدنياً، على رغم بدئها، هي الأخرى، سحب قوّاتها ورعاياها. وإذا كانت «الخطّة أ» اقتضت انسحاباً تركيّاً آمناً من كابول، فإن «الخطة باء» تقتضي الإبقاء على عناصر «مدنيين» لإدارة المطار المدني في المدينة. ولهذا، قال مستشار الرئيس التركي إبراهيم قالين إنه بعد انسحاب القوّات التركية، سيجري العمل على أن تتسلّم بلاده أمن المطار وإدارته، مشيراً إلى أن المحادثات قائمة مع حركة «طالبان» في هذا الشأن. وردّاً على التصريحات التركية، رفض الناطق باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد بقاء القوات التركية في مطار كابول، قائلاً: «(إنّنا) نريد علاقات جيّدة مع تركيا، لكنّنا لسنا بحاجة إلى قوات أجنبية». لاحقاً، تحدّثت مصادر وزارة الدفاع التركية عن أن المحادثات الجارية تتناول إمكانية تثبيت عناصر تقنيين في المطار، من دون حماية عسكرية، وهو ما سيُتّخذ القرار في شأنه في اليومين المقبلَين. وأوضح قالين بدوره أن «طالبان تريد من تركيا مساعدة فنّية لا عسكرية»، مضيفاً أن الحركة «ليست لديها القدرة على ضمان الأمن في المطار، ولذلك فهي تطلب هذه المهمّة الفنية». في أعقاب ذلك، جاء تصريح الرئيس رجب طيب إردوغان ليؤكد رغبة تركيا في البقاء في أفغانستان تحت ستار المساعدة الفنّية. إذ أعلن، قبل مغادرته مطار أنقرة لزيارة البوسنة والهرسك، أن اجتماعاً عُقد في السفارة التركية في كابول، حيث طلبت «طالبان» من تركيا إدارة المطار، لافتاً إلى أنه ليس أمام بلاده «الترف لتحسم مع مَن تلتقي». وفي الاتجاه نفسه، أتى كلام وزير الدفاع التركي خلوصي آقار الذي قال إن القوّات التركية في أفغانستان «كسبت قلوب الشعب الأفغاني، كما حلف شمال الأطلسي»، في ما يبدو استدراراً للقبول «الأطلسي» و«الطالباني» بالاقتراح التركي.
لاقى المسعى التركي للبقاء في أفغانستان ردّ فعل عنيفاً من قِبَل المعارضة


وفي الأصداء الداخلية للمسعى التركي لحماية مطار كابول، حظي الاقتراح بثناء كبير من قِبَل وسائل الإعلام الموالية لإردوغان، بل إن بعض المقالات الرافضة له - من منطلق رفض التقرّب من «طالبان» المتشدّدة والتمسّك بالعلمانية -، والتي تجرّأ على كتابتها كتّاب مخضرمون مِن مِثل محمد برلاس في صحيفة «صباح»، تعرّضت للرقابة في مواقع التواصل الاجتماعي. من جهته، كشف وزير الخارجية التركي السابق ومبعوث الأمم المتحدة إلى أفغانستان بين 2003 و2006 حكمت تشيتين أن تركيا بذلت جهداً كبيراً لدى باكستان من أجل الضغط على «طالبان» لتسهيل خروج القوّات التركية بسلامة، لتجيب الحركة بأن «وجود تلك القوّات انتهاك للسيادة الأفغانية، وبأن عليها أن تنسحب فوراً». وحذّر تشيتين من أن «بقاء القوات التركية هناك من دون موافقة طالبان يحمل أخطاراً كبيرة»، متسائلاً «إذا بقي المطار في عُهدة القوات التركية فضِدّ من ستكون الأخيرة هناك؟ في الأصل كانت هناك لتحمي المطار من حركة طالبان. لذلك فإنه من غير المنطقي بقاؤها الآن، وفي حال غادرت فإن طالبان هي التي ستحمي المطار وعندها القوّة الكافية. أمّا المساعدة الفنية فهذه مسألة أخرى، وفي هذه الحالة لا علاقة للمساعدة الفنّية بالعسكر، ولا حاجة بالتالي لمذكّرة من البرلمان للسماح بإرسال قوّات تركية إلى الخارج». وعن الاعتراف التركي بـ«طالبان»، رأى تشيتين أن «هذا موضوع مبكر لأوانه. فيجب أوّلاً تشكيل السلطة هناك لمعرفة بمَن ستعترف تركيا»، متوقّعاً أن «تعود طالبان إلى طالبان القديمة لجهة التطرّف والتمييز ضدّ النساء والأحكام العنيفة»، مضيفاً أن الحركة «ستشكّل تهديداً للدول الأخرى». ولفت إلى أن «هناك بعض الإشارات الخفيفة لكنها غير كافية، لذا فمن غير المنطقي التسرّع في الاعتراف بطالبان».
وعلى مقلب المعارضة، لاقى المسعى التركي للبقاء في أفغانستان ردّ فعل عنيفاً. إذ انتقد الناطق باسم «حزب المستقبل» الذي يترأسه أحمد داوود أوغلو سركان أوزجان التناقضات في الموقف التركي، مشيراً إلى أن «عشرات المواقف الحكومية في الأيام الأخيرة يتمّ رميها في سلّة المهملات. وها هم بعد أن قالوا إن جنودنا سيعودون إلى بلادهم خلال خمسة أيام، يتحدّثون اليوم عن البقاء هناك في مهام فنّية. فكيف يمكن إدارة المطار من دون وجود قوّاتنا هناك؟ وكيف يمكن أن نخوض هذه المغامرة قبل أن يستتبّ الأمن». ورأى أن «على تركيا أن تغادر أفغانستان فوراً ومن دون مناقشة»، مستدركاً أنه «يجب مقاربة الوضع من زاوية أوسع تشمل كلّ المجالات، وهذا يجب أن يكون بعد تشكّل الدولة في أفغانستان والحوار مع مسؤوليها الرسميين». بدوره، نبّه السفير التركي السابق في الولايات المتحدة فاروق لوغ أوغلو إلى غياب أيّ إشارة من «طالبان» إلى إمكانية القبول باستمرار وجود قوات تركية في كابول، مشدّداً على أنه «من دون حماية عسكرية، لا يمكن لعناصر فنّية أن تكون في المطار»، متسائلاً «عمّا إذا كانت طالبان ستتولّى تلك الحماية». ولفت إلى «الأنباء التي تتحدّث عن نظرة أميركية إيجابية إلى تولّي قطر تشغيل مطار كابول»، مضيفاً أن «واشنطن لا تنتظر شيئاً من تركيا، وعلى ما يبدو فإن مسألة تشغيل المطار مقفلة أمام تركيا». وتوقّع أن تزداد حدّة المعارك في أفغانستان، خصوصاً بعد رفض أحمد شاه مسعود الخضوع لـ«طالبان»، معتبراً أن «على تركيا ألّا تستعجل في عملية الاعتراف بالسلطة الجديدة، ومن الأفضل أن تتحرّك سويّة مع المجتمع الدولي، وليس منفردة»، متابعاً أن «اعتقاد السلطة في أنقرة أن الاعتراف المبكر يُكسب تركيا مزايا محدّدة هو تقدير خاطئ، لأن مَن تسلّم السلطة في كابول هو منظّمة إرهابية دموية».
فهل ستواجه خطّة تركيا للبقاء، مدنياً هذه المرّة، في مطار كابول، الفشل الذي واجهته خطّة إردوغان - (جو) بايدن لحماية المطار عسكرياً، أم سيكون للتطوّرات في المستقبل القريب رأي آخر؟