«لا، لا يمكن لهذا الحلم أن يتبدّد، ولا حتى أن يهتزّ. إنّه أصلب من أن يتأثّر بهذا المستجدّ السياسي أو ذاك المتغيّر العسكري. قد يتأخّر؟ نعم، هذا ممكن، بدليل ما نواجه من تعثّر لا يد لنا فيه ولم نحسب حسابه. أمّا أن يتبدّد فهذا مستحيل. هذا خط أحمر، رسمته الدماء المدرارة ولن أسمح لأحد، كائناً من كان، بتجاوزه. وكيف أسمح بذلك ولديّ ما لديّ من الأرض والمال والسلاح والرجال والدعم الأمني والعسكري والسياسي الأميركي والإسرائيلي والبريطاني والفرنسي والألماني... ولديّ، أيضاً، من الأوراق، في حال ساءت الأمور، لا قدّر الله، ما يؤهّلني لقلب الطاولة لحماية الفرصة التاريخية التي أدرك أنها لن تتكرّر، وربما ما كانت لتأتي لولا حسن اشتغالنا وتدبيرنا، فضلاً عن الحظ الذي ابتسم بعد طول عبوس وتجهّم. فزعامتي هي الأساس، واستمراري في هذه الزعامة هو ضمانة الحلم وسأفعل المستحيل لمنع المساس بها. فأنا لست أشرف غني، ولا أشبهه في شيء. الانتصار أو الموت هو شعاري الذي لا يمكن لي أن أحيد عنه، ولن أحيد. أنا مظلوم عبدي القائد الذي لا يُقارن بأحد...»، وعند سماعه لاسمه وصِفته رانت عليه ملامح الرضا وعلت ثغره الابتسامة، ولم يلبث، بعد قليل، أن استعاد شيئاً من توازن نفسه القلقة، وقرّر أن يستأنف يوميات السلطة الكردية ومسؤولياتها. وقبل أن يشرع في مراجعة الأوراق والملفّات المكدّسة على مكتبه، مرّت بباله صور لقاءاته بالضبّاط والقادة الغربيين «الكبار» ووعودهم الشفهية وضماناتهم الخطيّة باستمرار الدعم والحماية وأبديّتهما مهما حصل. عندها تحوّلت الابتسامة إلى فرحة سرت في مفاصل الجسد المتين. لكن، فجأة، وبدلاً من تنفيذ ما اعتزم عليه خطر له خاطر أعاده، ومن حيث لا يريد، إلى مربع القلق إياه الذي حسب أنه غادره. إنه التلفزيون الذي يواصل النقل الحيّ لما لا يجدر به نقله... فلأطفئه حتى أتخلّص من السموم التي يبثّها، قال لنفسه، وتوجّه نحو التلفزيون ليطفئه لكنّ النقل المباشر لمشهد دخول مقاتلي "طالبان" القصر الرئاسي وفرار أشرف غني، جعله يغيّر رأيه فتسمّر أمام الشاشة متابعاً المشاهد الصادمة، لكنّه ما لبث أن شعر باشمئزاز أجّج القلق ومعه الغضب. وكمن يحاول إقناع نفسه وتسكينها سمع نفسه يقول: «... ثمّ إنّ الحلم ما وُجد إلّا ليتحقّق. نعم، إنها الحقيقة اللاغية لكل ما ينافيها. ولو كان الأمر خلاف ذلك لما وُجد من أصله، فلكل وجود علّة وعلّة الحلم حقيقته. بل إن حلمي هو الحقيقة الكاملة. ليس بعضها وليس امتداداً لها. هو الحقيقة التي على الجميع، وأولهم جماعة الدولة السورية المزعومة، تصديقها والأخذ بها. فواقع السيطرة المادية العسكرية والجغرافية الواسعة الذي أعيشه، ومعي حلفائي ورجالي الخلّص، هو أرض هذا الحلم الصلبة التي انتزعناها بالسلاح الأميركي والإسرائيلي والكثير من المكر والخداع الغربيين. هذا الحلم الذي بات اليوم شبه حقيقة، ويوشك على التجسّد الكامل، لم يأتِ من فراغ، ولم يكن بلا جدوى. هو حلم الأجداد، ونداء الماضي البعيد، وحقيقة الراهن السياسي والاقتصادي والجغرافي الذي لم يعد بمستطاع أحد تبديده، ولا الرجوع عنه. ولطالما قلت لنفسي ولناسي لنتمثّل بإسرائيل، وهل حلمهم الذي تحقّق بأقل من حلمنا الذي هو قيد التحقق. لنستعن بهم ونتعلّم منهم فهُم خير معلّم لنا».

وتابع: «إنها مشاهد تلفزيونية فحسب. وهل عليّ، وأنا الخبير والعارف، أن أصدّق التلفزيون وأنسى الخرائط والخطط العسكرية المكدّسة في الأدراج؟ ثم ماذا عن التعهّدات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية الخطيّة الممهورة والمصدّقة من أرفع القيادات؟ لا، لا، لن أصدّق أكاذيب التلفزيون. فأنا ابن الكار وصنيعته، ولطالما استعنت بالتلفزيون للترويج للأخبار الزائفة التي وجدت من يصدّقها من ضعاف الحيلة. أنا أذكى من أن أتأثر ببضعة مشاهد الأرجح أنها مفبركة، ولا تنطلي على عسكري مثلي. نعم، لن أصدّق عيني. فالعيون قد تخدع، على الرجل أن يصدق أموراً أكثر تعقيداً. عليه أن يصدق رغباته وكلّ ما ينطق به الهوى والمصالح فحسب، وكل ما عدا ذلك لا قيمة له ومجرّد مضيعة للوقت والجهد، وأنا لا أملك ترف هدر الوقت أو تبديد الجهد.
إنها الفرصة التي قد لا تتكرّر، فالحاجة إلينا، كدولة مستقلّة، تفرضها المصالح الدولية الاستراتيجية بدءاً من حاجة الغرب إلى إسرائيل ثانية وثالثة ورابعة، وصولاً إلى تأبيد تفتيت الجغرافيا السورية والعربية. ونحن، ومن دون أدنى شك، بدليل الوقائع المادية الصلبة، على مشارف جعل الحلم حقيقة لا تقبل النقاش. الناقص الوحيد هو اكتماله الذي سيتمّ وإن تأخّر. وحلمنا بخلاف الحلم الصهيوني الوهمي والموهوم، له صلات عميقة بالواقع. ثم إنّ الجماعة بحاجة إليّ. ولا يثقون إلا بي. وهل هناك أحد غيري قادر على أداء المهمة النبيلة والمعقّدة. أنا الوحيد القادر على الذهاب معهم نحو الأقصى السياسي والعسكري والأمني، ونظرة بسيطة إلى الجغرافيا السورية ولدوري الحاسم في منع استعادة الدولة السورية لسيادتها، وعرقلة تعافي اقتصادها واستعادة السيطرة على مواردها يقول الكثير.
ثم هل يملك ألّا يصدّق ما نقله إليه جيمس وبيل وإيهود وناتان وعميرام وغيرهم من أصدقائه الخلّص؟ طبعاً لا. فحاجته إلى تصديقهم، هذه المرة، لا تعادلها حاجة. ثم إنّ الرجال أصحاب تجربة وخبرة يُبنى عليهما الآن وفي كل حين. صحيح أنهم يعجزون عن معالجة مشاكلهم اللبنانية والفلسطينية واليمنية، لكنّهم لا شك يملكون الذكاء والقدرة على اجتراح الحلول متى حان وقتها.

شرت وكالات الأنباء خبراً مقتضباً بعنوان «اختفاء قائد قسد مظلوم عبدي في ظروف غامضة»


وفي نوبة هلع، ضربته على حين فجأة، راح يسأل نفسه: «هل يمكن أن أخسر كلّ هذا المجد الذي أنا فيه؟ هل يمكن أن أفقد السلطة والمواكب التي تسبق خروجي أو دخولي؟... لكنّه وعلى حين غرّة انتصب واقفاً ونادى بالحراس آمراً إياهم بتعليق جدول الزيارات ومنع المراجعين من دخول مكتبه. ثم راح يحسب الثروة الطائلة وسلسلة العقارات التي تنتظره في مصارف وعواصم الخارج الغربي...
في اليوم التالي نشرت وكالات الأنباء الدولية والعربية والمحلية خبراً مقتضباً لم يتجاوز الأسطر الثلاثة، تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي وزادت عليه، وحمل عنوان «اختفاء قائد قسد مظلوم عبدي في ظروف غامضة»، مع ترجيحات متناقضة لا أسانيد لها تمحورت حول أسباب الاختفاء وظروفه.
وفي اليوم الذي تلاه راجت أنباء، لم تتأكد، عن اختفاء قياديين آخرين، وانتحار بعضهم وجنون بعضهم الآخر.
إلهام أحمد، وهي أخت الرجال، بحسب وصفها لنفسها، سارعت إلى تولّي تصريف يوميات السلطة الكردية فاتصلت بالقيادة العسكرية الأميركية ورتّبت مع ضباطها ما يجب عمله للحد من الخسائر الناجمة عن تواري الرجل. بعدها اتصلت بمسؤول محطة الموساد الكردية وسألته مواصلة تأمين الدعم المعتاد وتعزيزه، فوعدها الأخير بالعمل الفوري على مدّها بكل ما يلزم لتأمين الاستمرارية.
في اليوم الثالث على الاختفاء الغامض لـ«رجل إسرائيل القوي»، بحسب الدوائر الغربية وتوصيف مظلوم لنفسه، نقلت الأنباء عن بعض المقرّبين أنّ حرّاسه لاحظوا أنّ القائد مظلوم عبدي لم يكن هو نفسه في الساعات التي سبقت اختفاءَه، لكنّهم أرجعوا ذلك إلى طبيعته القلقة والهشّة وارتيابه وتطيّره فضلاً عن تزايد مشاكله العائلية والمالية بسبب تعدّد زوجاته وكثرة مغامراته وإدمانه على المقامرة. وسجّل البعض الآخر أنّ القائد، وأثناء مغادرته المكتب، لم يكن في المزاج الطاووسي الذي يسمح له باستعراض حرسه التقليدي، لذا طلب من مساعديه اختصار الإجراءات والاكتفاء بأداء التحية وقسم الولاء، ومن بعدها اختفت أخباره وضاعت آثاره.
مفتي الليبرالية المحلية الممتاز أفتى، كعادته في الإفتاء وما يتصل به من شؤون التكفير والهجرة وإقامة الحد والنهي عن المنكر التحرّري والتحريري، كان له رأيه بوجوب معاداة «طالبان» لا لما تمثله من رجعية ونكوص «حضاري» وربما إنساني... فهذا مما يمكن التعايش معه على نحو تعايشه مع أهل المنشار السعودي في الجزيرة العربية المحتلة، وتصنيفها، في تسلسل أولويات، غير مسبوق، وفريد من نوعه، كعدوة للغرب قبل الدواء والتعليم والتنوير. فالغرب، والعمل لحسابه والإخلاص له، بحسبه، كلّ ذلك يتقدّم على الدواء والتعليم والتنوير!
الفتوى هذه تثير سؤالاً يتعلّق بحاجة مفتينا إلى هذا القدر «الجذري» من القول السياسي أو الثقافي، وهو العارف والعالم والمجرّب والخبير بحقيقة الأمور والمواقف والمصالح والسياسات والانحيازات والقناعات وخفاياها. كما أن الفهم يعجز عن تفسير الأسباب التي تدعوه، وهو المعروف بمستواه المعرفي الرفيع والثقافي العميق على تكبيد نفسه مشقّة الدفاع عما يستحيل الدفاع عنه، فكيف بالتصدّي لما هو أصعب وأدهى كمهمة قلب الحقائق وجعل الأسود أبيضَ!
ومن باب الحرص والمسؤولية نسأل له الاستمرار في متابعة ما يعتقده صواباً، لكن مع نصيحة العمل على الحفاظ على تمايزه المؤكد وتعزيزه، وهو، بالمناسبة، ولمن لا يعرف، تمايز حقيقي ولا يقبل الشك، فالرجل «صاحب قضية» وهذا كافٍ لتمييزه وتحييده عن باقي أفراد الموجة الجديدة من الإعلاميين والمثقفين، وبعض القديمة الذين لم يعرفوا غير الارتهان فأدمنوه، والتي لا تقل في رداءتها عن نادي التوّابين من أهل اليسار الذين يواصلون فصول تذلّلهم السياسي والثقافي والأخلاقي طمعاً بنيل انتباه أهل اليمين، ولا نقول اعترافهم المستحيل، لا لشيء إلا لمعرفتهم بوضاعة التوّابين وخسّتهم. فقد سبق لكبير التوّابين من أهل اليسار ورائدهم «التنفيذي» أن سأل المغفرة عن «استسهال ركوب مركب الحرب الأهلية» و«الانحياز إلى فلسطين»! فجاءه الجواب الأول والأخير على لسان بولس نعمان الذي اعتبر التذلّل، المقدم في مناسبة ذكرى الاحتفال برحيل أحد قادة اليسار أقلّ من اللازم ودون المطلوب.
يبقى أن نقول إنّ وقائع اليوم الأخير الذي سبق اختفاء مظلوم عبدي وجدت ما يشابهها في غير قصر عربي، وبلغت بعض الوقائع، ما خلا الاختفاء الغامض، حدّ المطابقة مع ما جرى مع مظلوم عبدي، مع فوارق طفيفة لا يعتدّ بها ولا حاجة إلى ذكرها لعدم أهميتها أولاً، ولثقتنا بقدرة القارئ النبيه على تقديرها ثانياً، خصوصاً أنّ القارئ الذي نتوجه إليه يُعرف عنه اهتمامه بالأساسيات من غير أن تفوته التفاصيل.