شكّلت الصور المروّعة لأفغان يائسين يحاولون الخروج من كابول، بعد انهيار الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة، منعطفاً تاريخياً رئيساً، في وقت أدارت أميركا ظهرها للعالم. حقيقة الأمر أن نهاية الحقبة الأميركية جاءت قبل ذلك بكثير. المصادر طويلة المدى للضعف والانحدار الأميركيَّين محلية أكثر منها دولية. ستبقى البلاد قوة عظمى لسنوات عديدة، لكن مدى تأثيرها يعتمد على قدرتها على إصلاح مشاكلها الداخلية، بدلاً من سياستها الخارجية. (...) لقد بالغت البلاد في تقدير فعالية القوة العسكرية لإحداث تغيير سياسي أساسي، حتى في وقت قلّلت من تقدير تأثير نموذج اقتصاد السوق الحرّة على التمويل العالمي. انتهى العقد بتورّط قوّاتها في حربَين ضدّ التمرّد، وأزمة مالية دولية زادت من التفاوتات الهائلة التي أحدثتها العولمة التي تقودها الولايات المتحدة. (...) من المرجّح أن يكون التأثير النهائي لأفغانستان على الجغرافيا السياسية ضئيلاً.

(أ ف ب )

نجت أميركا من هزيمة مذلّة سابقة عندما انسحبت من فيتنام في عام 1975، لكنها سرعان ما استعادت هيمنتها في غضون أكثر من عقد بقليل، وهي تعمل اليوم مع فيتنام للحدّ من التوسّع الصيني. لا تزال أميركا تتمتّع بالعديد من المزايا الاقتصادية والثقافية التي يمكن أن تضاهيها دول أخرى قليلة. التحدّي الأكبر بكثير لمكانة أميركا العالمية هو محلّي: المجتمع الأميركي مستقطب بشدّة، ووجد صعوبة في إيجاد إجماع على أيّ شيء تقريباً. بدأ هذا الاستقطاب حول قضايا السياسة التقليدية، مثل الضرائب والإجهاض، لكنه تحوّل منذ ذلك الحين إلى صراع مرير حول الهوية الثقافية. كان طلب الاعتراف من جانب الجماعات التي تشعر بأنه قد تمّ تهميشها من قِبَل النخَب شيئاً حدّدتُه قبل 30 عاماً على أنّه كعب أخيل للديمقراطية الحديثة. عادة، يجب أن يكون التهديد الخارجي الكبير مثل الجائحة العالمية، مناسبة للمواطنين للالتفاف حول استجابة مشتركة؛ إلّا أن أزمة «كوفيد - 19» أدّت إلى تعميق الانقسامات الأميركية، مع التباعد الاجتماعي، وارتداء الأقنعة، فيما يُنظر الآن إلى التطعيمات، ليس على أنها تدابير للصحّة العامّة، ولكن كعلامات سياسية.
طوال الحرب الباردة وحتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان هناك إجماع قوي من النخبة في أميركا لصالح الحفاظ على موقع قيادي في السياسة العالمية. أدّت الحروب الطاحنة التي لا نهاية لها في أفغانستان والعراق، إلى غضب العديد من الأميركيين، ليس فقط بشأن الأماكن الصعبة مثل الشرق الأوسط، ولكن ربطاً بالتدخّل الدولي عموماً. (...) هناك إجماع أكثر وضوحاً بشأن الصين: يتّفق كلّ من الجمهوريين والديمقراطيين على أنّها تشكّل تهديداً للقيَم الديمقراطية (...). ستكون تايوان اختباراً أعظم بكثير للسياسة الخارجية الأميركية من أفغانستان، إذا تعرّضت لهجوم صيني مباشر. هل ستكون الولايات المتحدة مستعدّة للتضحية بأبنائها وبناتها من أجل استقلال تلك الجزيرة؟ أو في الواقع، هل تخاطر الولايات المتحدة بنزاع عسكري مع روسيا إذا غزت الأخيرة أوكرانيا؟ هذه أسئلة جادّة ليست لها إجابات سهلة، ولكن من المحتمل أن يتمّ إجراء نقاشٍ منطقي بشأن المصلحة الوطنية الأميركية في المقام الأول، من خلال كيفية تأثيرها على الصراع الحزبي.
لقد أضرّ الاستقطاب، بالفعل، بتأثير أميركا العالمي (...). اعتمد هذا التأثير على ما أطلق عليه الباحث في السياسة الخارجية جوزيف ناي «القوة الناعمة»، أي جاذبية المؤسّسات الأميركية والمجتمع للناس في جميع أنحاء العالم. لقد تضاءل هذا الجذب إلى حدّ كبير: من الصعب على أيّ شخص أن يقول إن المؤسّسات الديمقراطية الأميركية كانت تعمل بشكل جيّد في السنوات الأخيرة، أو أن أيّ دولة يجب أن تقلّد القبلية السياسية في أميركا واختلال وظيفتها. السمة المميّزة للديمقراطية الناضجة، هي القدرة على إجراء عمليات نقل سلمية للسلطة بعد الانتخابات، وهو اختبار فشلت فيه البلاد بشكل مذهل في السادس من كانون الثاني. ليس من المرجّح أن تستعيد الولايات المتحدة مكانتها المهيمنة السابقة، ولا ينبغي لها أن تطمح إلى ذلك. ما يمكن أن تأمل فيه هو الحفاظ، مع الدول ذات التفكير المماثل، على نظام عالمي صديق للقيَم الديمقراطية. ما إذا كان بإمكانها القيام بهذا لا يعتمد على الإجراءات قصيرة المدى في كابول، ولكن على استعادة الشعور بالهوية الوطنية والهدف في الوطن.

(ذي إيكونوميست/ فرانسيس فوكوياما)