نهاية عام 2019، كانت سياسة تشديد الحصار الأميركي على كوبا، التي طبّقتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، قد بلغت أوجها. رفوف بأكملها فارغة داخل «السوبرماركات»، مع ندرة إيجاد قوارير المياه حتّى، وأزمة الغاز المنزلي، ومنع التحويلات المالية نهائياً. بدا الأمر كمَن يُخرّب بئر ماءٍ في صحراء جافّة. أُثقلت ظهور الكوبيين أكثر فأكثر... «لدينا امتيازات عظيمة، كالتعليم والطبابة المجانِيّين والأمان، ولكنّ الاقتصاد مُشكلة كبيرة»، يقول خوان وهو يسير في جبال «سييرا مايسترا»، جنوب شرق الجزيرة. خوان مُرشد سياحي، يُمضي أيّامه في المنطقة التي احتضنت فيديل كاسترو ورفاقه، إبان الثورة التي انتصرت مطلع عام 1959. يعتبر أنّ «المسؤولية الأولى تتحمّلها الولايات المتحدة الأميركية التي تَفرض علينا العقوبات، ولكن أيضاً على الحكومة مسؤولية تحسين أوضاع الناس، مع وجود فوارق في المداخيل بين الناس، وعدم الاهتمام الكافي بالفقراء في الريف». ليس خوان إلا واحداً من كثيرين ينتقدون أداء السلطة التنفيذية في الملفّ الاقتصادي، ومنهم أعضاء في الحزب الشيوعي الحاكم، وأغلبهم ممّن لا يبغون إسقاط النظام. ورثوا هذه العادة من فيديل كاسترو ــــ «المُعارض الأوّل» (بحسب وصف الصحافي إغناسيو رامونيه له، في كتابه «مئة ساعة مع فيديل كاسترو») ــــ الذي كان ينتقد في خطاباته «الممارسات الشاذّة» في الإدارة وتفشّي «العادات الرأسمالية» بين البعض. الانتقادات الشعبية للحكومة زادت في

الـ2020، مع انتشار وباء «كورونا» وتعطيله الاقتصاد، ما وَضع البلد أمام تحدّيات كبيرة شكّلت أساس البحث في المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي، وخاصة أنّها تتزامن مع تقاعد راوول كاسترو من الحياة السياسية الرسمية.
«الاقتصاد هو التحدّي الرئيسي الذي نُواجهه»، قال الرئيس ميغيل دياز ــــ كانيل في اجتماعٍ لمُمثّلين عن «الشيوعي» والحكومة لتحضير الأوراق التي عُرضت أمام المؤتمر نهاية الأسبوع الماضي، حيث نوقشت النتائج التي تحقّقت في السنوات الماضية، وتم تعديل بعض بنود «أجندة 2030 وأهدافها للتنمية المستدامة» ــــ التي وضعها راوول ــــ لتتلاءم مع التغيرات الاقتصادية. برنامج الأخير وُصف بـ«الإصلاحي»، وراهن عليه كثيرون لإنهاء الاشتراكية الكوبية وتحوّلها نحو الرأسمالية... ها هي كوبا بعد خمس سنوات على وفاة «قائد الثورة» وبدء العمل بالبرنامج الجديد وتخلّي راوول عن منصبه كرأس لـ«الشيوعي»، تُعدِّل خططها الاقتصادية بما يتناسب مع اشتراكية الدولة وهويتها الاجتماعية. «وستبقى مفاتيح الاقتصاد، وتحديداً الإنتاج والتوزيع والتوظيف، مضبوطة ضمن خطّة الدولة المركزية»، تقول المُحاضرة في الاقتصاد والتاريخ الاجتماعي في جامعة غلاسكو البريطانية، هيلين يافي لـ«الأخبار». التخطيط المركزي هو ما ينتقده أستاذ الاقتصاد في جامعة هافانا، وعضو مركز الدراسات الاقتصادية الكوبية، ريكاردو توريس. يعتبر في حديث مع «الأخبار» أنّه «يجب إنشاء إطار قانوني يسمح بالتحوّل الفعّال لمؤسّسات الدولة. لا أتحدّث عن الخصخصة، ولكن أن يتوسّع حضور القطاع الخاص وتُصبح الخطط الاقتصادية مُتماسكة أكثر، وأن نملك رؤية جديدة بعيداً عن الأحكام السياسية المُسبقة التي تُعيق التطوّر».

سبّبت العقوبات الأميركيّة خسائر بقيمة 5.5 مليارات دولار في سنة


يتغافل كثيرون عن السبب الحقيقي لـ«إعاقة التطوّر»، فحتّى مع وجود أخطاء داخلية أو تمركز قوي للإدارة، ما قد يعتبره البعض مؤخِّراً للنموّ الاقتصادي، تبقى المشكلة الأولى التي تواجه كوبا أنها مخنوقة بالعقوبات. تُخبر يافي أنّ «أي بلد يمرّ بأزمة اقتصادية وصحية، كان سيحصل على قرض أو دعم إنساني، إلّا كوبا. مُنعت التحويلات الإنسانية إليها. مثلاً، حين نُظّمت حملة تبرّعات بريطانية لإرسال مواد طبية إلى هافانا، عُطّل موقعها الإلكتروني وأوقفت بالقوّة».
الاعتقاد الذي ساد بأنّ وجود راوول على رأس النظام سيؤدّي إلى «التخلّص منه» لمصلحة الرأسمالية، مُبرَّر ببعض الخطوات التي بدأت في الـ 2011 حين انتُخب رئيساً للجمهورية. فألغى بعض التقييدات المفروضة على الكوبيين، كالسماح لهم بالسفر إلى الخارج وعدم فقدان أيّ من حقوقهم لغاية سنتين من غيابهم، تملّك المنازل، انطلاق خدمة الإنترنت... وقد مهّد الطريق أمام فتح المجال أكثر لـ«اقتصاد السوق» ورفع نسبة الاستثمارات الخاصة في الاقتصاد الوطني. وآخر المُقرّرات اتُّخذت قبل أيام من انعقاد المؤتمر، مع إزالة القيود عن ذبح الماشية (فُرضت سنة 1963 بعدما قتل إعصار 20% من القطعان) وبيع اللحوم والألبان من دون إذن الدولة، شرط أن تكون حصص الولاية قد تأمّنت، وأن لا تؤدّي عمليات البيع إلى تناقص القطيع.
تقول يافي إنّ هذه الإجراءات أدّت إلى «فتح الاقتصاد، ولكنّ الإصلاحات تمّت بطريقة مُتدرّجة ومضبوطة. مثلاً، جُمّد مشروع الاستثمارات الخاصة سنة 2017 حين تبيّن وجود شركات غير شرعية ولا تدفع الضرائب». فضلاً عن أنّ راوول «رفض اتهام كلّ صاحب عمل خاص بالرأسمالي أو تأمين مصالح الغرب». بالنسبة إلى ريكاردو توريس ــــ يعمل أيضاً مُستشاراً لشركات خاصة ــــ «مشروع راوول لم ينجح بعد تفضيله الحفاظ على الاستقرار عِوض إجراء تغييرات راديكالية. بالإضافة إلى أسباب أخرى كالحصار وأزمة فنزويلا التي أثّرت علينا، ووباء كورونا. ولكنّ الناس تلوم الحكومة على هذه الأزمة»، ذاكراً مثلاً ارتفاع الأسعار ونقص المواد الغذائية منذ الـ 2015، داعياً إلى تنفيذ خطوات تفتح المجال أمام الاستثمار الخارجي. تردّ يافي بأنّ «كلّ نقص سببه الحصار والعقوبات».
من أبرز الإجراءات التي اتُّخذت لـ«فتح السوق»،، قراران دخلا حيّز التنفيذ عام 2020:
- السماح للشركات الخاصة بالعمل في أكثر من 2000 قطاع بعدما كانت مُحدّدة بـ 127 قطاعاً.
-إلغاء نظام العملتين النقديّتين.
عام 1994، اعتُمدت عُملتان في كوبا التي تمنع التداول نهائياً بأيّ عملة أجنبية. الـ«كوك» مُخصّص للسيّاح والأعمال الخاصة، ولا سيّما التي لها طابع سياحي. والـ«بيزو»، وهو العملة الوطنية. سعر صرف كلّ «كوك» (يُساوي تقريباً دولاراً واحداً) هو 24 «بيزو». تقول يافي إنّ الدولة «كانت تدعم الفارق بين سعرَي الصرف». في 1 كانون الثاني، وُحّدت العملة مع إلغاء الـ«كوك». القرار مُتّخذ منذ عام 2014، ولكن أُخّر تنفيذه «إلى أن يُصبح الاحتياطي كافياً لحماية السكّان من تبعات القرار والتمكّن من زيادة الرواتب». بالتزامن، أُعيد تفعيل محال تجارية مُخصّصة حصراً لحاملي بطاقات إلكترونية مربوطة بحسابات بالعملة الأجنبية (دولار، يورو، ين). يسمح ذلك للحكومة، بحسب يافي، «بالحصول على الأوراق النقدية الأجنبية لتمويل توحيد العملة والاستيراد والدعم، كونها ممنوعة من استخدام النظام المالي العالمي».

ستبقى مفاتيح الاقتصاد مضبوطة ضمن خطّة الدولة المركزيّة


توحيد العملة أدّى إلى خفض نسبة الدعم ووضع تعرفة أعلى للخدمات ولا سيّما في قطاع الكهرباء (بعد اعتراضات السكّان، خفّضت الحكومة الأسعار مُجدّداً)، وارتفاع التضخم. «النقطة الأخيرة هي المُشكلة الرئيسية التي ستُعانيها كوبا مُستقبلاً»، يعتبر توريس، مؤيّداً قرار توحيد العملة. لكنّه يعتبر أنّ «الحكومة بالغت بالحديث عن الإصلاح النقدي من دون توضيح خسائره للسكّان. يجب أن تبعث رسالة واضحة لهم مُستقبلاً بوجود برنامج اجتماعي يُقلّص الفوارق الاجتماعية بينهم ويُطوّر الإنتاج الزراعي ويُفعّل إدارات الدولة. فلا يُمكن التقليل من وطأة الأزمة، مع وجود قيادة أضعف من السابق، وجيل جديد أقلّ تمسّكاً بالنظام لأنّه وُلد في الأزمة». تُنكر يافي ذلك ــــ وهي المُتخصّصة بشؤون أميركا اللاتينية وكوبا تحديداً ــــ فتقول إنّ «من العناصر الأساسية في برنامج راوول الإصلاحي أنّه كان محور نقاشٍ في المُجتمعات المحلية، وكان يتم إطلاع السكّان على التغييرات وآثارها».
يتوافق توريس ويافي على أولوية تطوير الإنتاج الزراعي ووقف الاعتماد على استيراد المُشتقات النفطية، ولكن من وجهة نظر يافي المُشكلة ليست في نقص اهتمام المُستثمرين في كوبا، أو الخطط الابتكارية والتكنولوجية، «لا ننسى أنّها تُنتج لقاحات ضدّ كورونا. المشكلة هي خوف الأجانب من العقوبات التي ستُفرض عليهم. إحدى الشركات التي كانت تُريد البحث عن النفط في مياه تابعة للسيادة الكوبية، أوقفت العمل بعد تهديدات واشنطن. ممنوع حتّى استخدام آلات مُصنّعة من مواد أولية أميركية»، تُشير يافي.
رغم كلّ الصعوبات، أعلنت الحكومة أنّ النموّ الاقتصادي سيبلغ قرابة الـ 7% عام 2021. إلا أنّ توريس يشكّك بذلك: «راهنت الحكومة على تفعيل السياحة وتبديل واشنطن لسياستها بعد انتخاب جو بايدن. الأولى لن تُفعّل قبل الربع الثالث والرابع من السنة، والثانية لن تحصل. لذلك لا أعتقد أن النموّ سيكون أكثر من 3%». حتى هذه النسبة تُعتبر مرتفعة في بلدٍ يواجه حرباً مُستمرة منذ ما يزيد على 60 عاماً من أعظم قوّة في العالم.
الجزيرة التي تخوض يومياً تحدّي الصمود «بما تيَسّر»، ليس سهلاً عليها أن تواجِه ضغوطاً أقسى، هل سيصمد الكوبيون؟ لا تُقلّل هيلين يافي من خطورة محاولات واشنطن المُتجدّدة لتشكيل معارضة داخلية، وتسييس كلّ تظاهرة أو تجمّع، حتى ولو كانت مباراة كرة قدم. لكنّ الكوبيين مُثقفون سياسياً وتاريخياً وأكثريتهم يعرفون أنّ الحكومة تُحرّك كلّ مواردها لخدمة شعبها، وهذا لا يحصل إلّا في دولة اشتراكية». ولكن ألن يؤثّر تقاعد راوول في عُمق الأزمة الاقتصادية؟ تُجيب يافي بأنّ «تقاعد راوول، وهو أمر معروف منذ عام 2016، لن يكون له تأثير كبير على الاقتصاد. فمنذ عقدٍ، والدولة تُحضّر جيلاً جديداً من القادة. واشتهر راوول بإرساء هيكلية داخل الإدارة وتوزيع المهمات عِوَض حصرها بشخصه». بالإضافة إلى أنّ مردّ الأزمة الأساسي هو «العقوبات الأميركية، التي كلّفت كوبا بين أيار 2019 ونيسان 2020، خسائر بقيمة 5.5 مليارات دولار. وبعد انتشار كورونا، شُدّد الحصار عبر فرض 52 عقوبة جديدة».
في حديثه مع إغناسيو رامونيه، يقول فيديل: «لتغيير الطابع الاشتراكي الاجتماعي يجب حصول ثورة جديدة أو ثورة مُضادة، والأمر ليس سهلاً مع شعب مُثقّف وموحّد».



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا