يَبرز «حزب العمّال الكردستاني» كلاعب إقليمي كبير في أربع دول شرق أوسطية، هي: تركيا وسوريا والعراق وإيران. وإذ انطلقت حركته، عملياً، من تركيا، في نهاية السبعينيات، فقدْ تمدَّد في أكثر من دولة، مثل العراق وإيران. لكن التطوّرات التي عرفتها سوريا، منذ عام 2011، كشفت عن حيثية مهمّة لـ«حزب الاتحاد الديموقراطي» (الكردستاني السوري) بزعامة صالح مسلّم، خصوصاً مع تمكُّنه، في السنوات اللاحقة، من قضم قسم كبير من الشمال السوري، حيث أعلنت قيادته حُكماً ذاتياً من طرف واحد في المناطق التي تسيطر عليها، مطلِقةً عليها اسم «روج آفا». ولمّا استطاعت القوات التركية احتلال منطقة عفرين، كما الشريط الحدودي الممتدّ من عين عيسى إلى تل أبيض، حافَظ الحزب على ما تبقّى من مناطق تقع في شرق الفرات، وصولاً إلى الحدود العراقية. وتمكَّن من تحقيق هذه «الإنجازات» بمساعدة قوات «التحالف الدولي»، ولا سيما الولايات المتحدة التي تحتلّ قواتها تلك المنطقة، فيما تعمل شركاتها في مجال استخراج النفط وسرقته وتسويقه إلى العالم.

ودائماً ما يتردّد السؤال عن علاقة «الاتحاد الديموقراطي» بـ«العمال الكردستاني» التركي. وإذ ينفي الحزبان أيّ علاقة ميدانية تجمعهما، يؤكد الأوّل أن علاقته بالأخير فكرية، وأن عبد الله أوجلان، زعيم «الكردستاني»، هو مثاله الفكري الأعلى. ومن هنا، يختلط الحابل بالنابل. ولا شكّ في أن الحركة الكردية تمرّ بظروف معقّدة في المنطقة، فهي عدوّ النظام التركي الحليف للولايات المتحدة الداعمة للأكراد في سوريا. وهي تخشى أن يتخلّى عنها الأميركيون في أيّ لحظة، فتبقى فريسة الجيش التركي، من دون أن تنجح بعد الوساطات في التقريب بين ما تمثّله هذه الحركة في سوريا، وبين الدولة السورية. ووسط تلك التعقيدات، تبقى الحالة الكردية ككلّ، ولا سيما في تركيا وسوريا، أسيرةَ اللعبة الإقليمية والدولية، حيث تسعى إلى ألّا تكون خارجها، حتى لا تفقد دورها كلاعب مؤثّر.
عن كلّ ذلك وغيره، نشرت صحيفة «يني أوزغور بوليتيكا» اليومية الصادرة باللغة التركية والمؤيّدة لـ«العمّال الكردستاني»، حواراً طويلاً مع جميل بايق، الرئيس الموازي لمجلس قيادة الحزب والقيادي البارز الذي يمكن اعتباره الرجل الأوّل في «الكردستاني» بعد أوجلان المعتَقل في تركيا منذ عام 1999. يسلّط بايق الضوء على الكثير من النقاط المتعلِّقة بعمل حزبه خصوصاً، والحركة الكردية في تركيا والمنطقة عموماً، كما على الموقف من «روج آفا» التي تُعتبر، بالنسبة إليه، جزءاً من «كردستان الكبرى» (تضمّ أيضاً جنوب شرق تركيا وشمال العراق وشمال شرق إيران). وبحسب بايق، فإن الذين يربطون عضوياً بين «روجافا» و«الكردستاني» لا يعرفون تاريخ سوريا ولا تاريخ «روجافا». ويقول: «الشعب في شمال سوريا يعيش معاً، ولا هوية عرقية كردية له أو غير كردية. هذا الشعب يناضل من أجل حريّته وضدّ النظام السوري وضدّ تنظيم داعش، وسقط له 12 ألف مقاتل بين كردي وسرياني وتركماني وعربي وشركسي. وأساس هذا الشعب الأمّة الديموقراطية. ولو لم تكن له هذه الخاصية، لكانت الغالبية العربية في سوريا وفي العراق دعمت داعش، ولَمَا تعرّض التنظيم للهزيمة. ولو لم تتأثّر روجافا بفكر آبو (أوجلان)، لَمَا كانت تحرّرت روجافا ولا انهزم داعش. كما هاجم داعش شنغال (سنجار) واحتلّ أجزاء من شمال العراق، وعندها فقط انتقل المئات من مقاتلي الكردستاني من تركيا لمساعدة إخوتهم في روجافا وشنغال وسقط لهم شهداء كثر».

يدعو بايق واشنطن إلى أن تتخلّى عن سياساتها، وألّا تكون شريكة في إبادة الشعب الكردي


ويذكِّر بايق بأن مظلوم عبدي وإلهام أحمد، القياديَّين في ««روجافا»، كانا مسؤولَين في «العمَّال الكردستاني» لعشرات السنين، وهذا يعرفه الأميركيون والأوروبيون والأتراك وكلّ العالم. ولكن «عندما اندلعت الأزمة السياسية في سوريا، ذهبا إلى روج آفا لتحرير أرضهم، واتّخذا مسؤوليات في قيادة الشعب الكردي الذي كان منظّماً إلى مستوى معين. لذا، يصبح من الطبيعي أن يتأثّر الشعب هناك بأفكار أوجلان. وهنا، نحن لا نتحدّث عن منطقة وشعب مختلفَين، لأن روجافا جزء من كردستان». وينفي بايق أن يكون مقاتلو حزبه منعزلين في الجبال، قائلاً: «هناك لا شكّ، تدير المقاومة الكردية عملياتها منذ أربعين عاماً. لكنها تحظى بتأييد غالبية الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأربعة. أمّا عن سلاح المقاومة قياساً بالسلاح التركي الأطلسي، فهي لم تكسب معركة بفضل تفوّقها العسكري، بل لكونها على حقّ، وتملك فكراً مستنيراً ومعنويات عالية. وبمواجهة السلاح المتفوّق للجيش التركي، نطوِّر مقاومتنا وعملياتنا». ويلفت، في هذا السياق، إلى أن «الحكومة التركية لا تقبل أيّ عرض للحلّ، لأن هدفها الأصلي إبادتنا وتتريك الشعب الكردي بكامله وتتريك المنطقة الكردية. نحن ضدّ الحلّ العسكري ومع الحلّ السلمي، لكن الدولة التركية لم تستجب لأيّ مبادرة». وعن اتهام الحزب بقتل الأسرى العسكريين الأتراك، يشير بايق إلى أن الجميع يعرف كيف يعامل الحزب أسراه «بكلّ أخلاقية، لكن عندما تأتي 50 مقاتلة تركية وتقصف مقرّاتنا على امتداد أربعة أيام، فمِن الطبيعي أن يسقط مقاتلونا والأسرى قتلى. والدليل على ذلك أن أحداً من الأسرى لم يُقتَل برصاصة».
انتقالاً إلى خطوة الولايات المتحدة إدراج «حزب العمّال الكردستاني» في لائحة الإرهاب، يعلّق بايق بالقول إن «الهدف كان سياسياً بامتياز من أجل إرضاء تركيا. نحن لم نقم بأيّ عملية ضدّ أميركا ولا ضدّ أوروبا. واتهامنا بالإرهاب يُعدُّ جريمة ضدّ الإنسانية. الولايات المتحدة ترتكب جريمة ضدّ الأكراد، بل إن قائدنا أَسَره الأميركيون وسلّموه إلى الأتراك». واستناداً إلى ما تقدَّم، يدعو بايق واشنطن إلى أن تتخلّى عن سياساتها هذه، «وإلّا تكون شريكة في إبادة الشعب الكردي». وعلى رغم التحوّلات التي شهدتها الحركة الكردية منذ انتهاء الحرب الباردة، «لا يزال الأميركيون ينظرون إلينا كما لو كانت الحرب الباردة لا تزال قائمة. نحن الآن حركة الاشتراكية الديموقراطية في إطار الحداثة الديموقراطية، ومن دون ديموقراطية لا توجد اشتراكية. وننظر إلى دكتاتورية البروليتاريا على أنها مفهوم خاطئ وغير ديموقراطي. نحن نؤيّد صيغة دولة ديموقراطية، ونرى أن على الولايات المتحدة أن تُزيلنا من قائمتها للإرهاب، لأن من الظلم أن يُدرَج الحزب الذي حارب داعش في الرقة وحرّرها في قائمة الإرهاب. عندما جاء باراك أوباما، طالبناه بتصحيح هذا الخطأ. واليوم، نكرِّر مع جو بايدن المطلب نفسه. لقد كان دونالد ترامب سيّئاً مَعَنا. في عهده، سلَّمت الولايات المتحدة ثلاثة من أبنائنا إلى (الرئيس التركي رجب طيب) إردوغان. وإذا اتبعت الولايات المتحدة سياسات لحلّ المسألة الديموقراطية سلمياً، فلماذا نقول لها لا؟ إن القوّة الأساسية المعرقِلة لحلّ ديموقراطي للمسألة الكردية هي تركيا، الحليفة الأطلسية للولايات المتحدة. وعلى الأميركيين وحلف شمال الأطلسي أن يتخلّوا عن اتباع سياسات الإبادة في حقّ الشعب الكردي». كما يدعو أوروبا، حيث يعيش أكراد كثر، إلى أن تلعب دوراً إيجابياً في هذا الإطار.
ويرى بايق أن التوصّل إلى اتفاق بين أميركا وإيران على الصعيد النووي مهمّ جدّاً لشعوب المنطقة، داعياً الجمهورية الإسلامية إلى «تطوير عمليّتها الديموقراطية». وفي ختام حواره، يشكر بايق رئيس الوزراء العراقي الأسبق، حيدر العبادي، الذي «حمى مواطني حزب العمال الكردستاني»، لكنّه يشير إلى رئيس الوزراء الحالي، مصطفى الكاظمي، «لا يواجه التدخلات الإيرانية والتركية في بلاده. مع ذلك، لنا علاقات وثيقة مع بغداد، ولكننا انتقدنا اتفاق بغداد مع أربيل حول شنغال، لأنه لم يأخذ في الاعتبار رأي الإزيديين. فالذي سلَّم شنغال إلى داعش هو العراق والحزب الديموقراطي الكردستاني (مسعود بارزاني). أمّا الذين حرّروها، فلم يؤخذ رأيهم».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا