مع اشتداد قوة الصين وجرأتها، يرى بعض الخبراء أنّ على واشنطن إنهاء سياسة «الغموض الاستراتيجي» التي انتهجتها لعقود.


إنّ تحول الصراع على السلطة بين الصين والولايات المتحدة إلى صراع عسكري حقيقي، قد يكون مرتبطاً بأمر واحد، هو مصير جزيرة تايوان، بحسب العديد من الخبراء والمسؤولين في الإدارة الأميركية.

وقد زادت بكين من «مضايقتها العسكرية» لما تعتبره إقليماً مارقاً، ومن مظاهر ذلك، تحليق 15 طائرة حربية صينية بالقرب من شواطئ الجزيرة خلال الأيام الأخيرة. ورداً على ذلك، يحاول المسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، إيجاد السياسة المناسبة التي تحمي هذه الجزيرة الديموقراطية والغنية تكنولوجياً، من دون التحريض على نشوب صراع مسلح بين البلدين، يكون بمثابة كارثة على الجميع.

وفي ظلّ السياسة ذاتها التي انتهجتها الولايات المتحدة لعقود، واشتهرت بتعقيدها، على قاعدة الموقف الأميركي الذي يؤيد مبدأ «الصين الواحدة»، والتي تقوم الولايات المتحدة على إثره بدعم تايوان من دون الاعتراف باستقلالها، تقوم واشنطن بتأمين الدعم السياسي والعسكري لتايوان، إلا أنها لا تتعهد، علناً، بالدفاع عنها في حال تعرضها لهجوم من الصين.

وفيما تزداد الصين قوة وطموحاً، وترى أن الولايات المتحدة ضعيفة ومشتتة، يدور الجدال حول ما إذا كان على الولايات المتحدة تقديم التزام أوضح بشأن الدفاع عن الجزيرة، ويهدف ذلك، بشكل جزئي، إلى منع أي «سوء تقدير» من جهة الصين والذي من المرجح أن يقود إلى حرب غير مرغوب فيها.

ويعكس هذا الجدال التحدي الذي يواجه إدارة بايدن حول سياساتها الخارجية، في الوقت الذي تضع فيه استراتيجيتها الأوسع نطاقاً في آسيا. وداخل البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون، الذين يعيدون النظر في وضعهم العسكري في آسيا، يعيد المسؤولون تقييم المبادئ الأساسية للاستراتيجية الأميركية، استعداداً لمرحلة جديدة وأكثر خطورة من المنافسة مع الصين.

في هذا الإطار، يحذّر مسؤولون أميركيون من أنّ الصين أصبحت أكثر قدرة على «غزو ديموقراطية الجزيرة» البالغ عدد سكانها 24 مليون نسمة، والتي تقع على بعد نحو 161 كيلومتراً. وقد أثار مركز هذه الجزيرة هوس بكين منذ انسحاب القوميين الصينيين وتشكيل حكومة هناك بعد الثورة الشيوعية عام 1949.

والشهر الماضي، وصف القائد العسكري لمنطقة الهند والمحيط الهادئ، الأميرال فيليب ديفيدسون، ما يحصل بأنه «خطر متمثل في إمكانية محاولة الصين استعادة تايوان بالقوة، في غضون السنوات الست المقبلة».

من جهتها، لطالما تجنّبت الولايات المتحدة أن تعلن عن طريقة ردّها على هجوم كهذا. وفيما تدعم واشنطن تايوان عبر الاتصالات الدبلوماسية ومبيعات الأسلحة والتصريحات الحازمة والمناورات العسكرية العرضية حتى، ليس هناك بعد أي ضمانات فعلية. ولا يوجد، بعد، أي بيان أو مذهب أو اتفاق أمني يجبر الولايات المتحدة على الذهاب لإنقاذ تايوان. وهذه القضية محصورة حتى الآن، في نص قانون صادر عن الكونغرس، عام 1979، ورد فيه أنّ «أي جهد يُبذل لتحديد مستقبل تايوان بوسائل غير الوسائل السلمية سيكون (مصدر قلق) بالغ للولايات المتحدة».

وتُعرف النتيجة الحالية لهذه السياسة باسم «الغموض الاستراتيجي»، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى عدم استفزاز بكين أو تشجيع تايوان على الإعلان عن استقلالها رسمياً والذي يمكن أن يؤدي إلى غزو صيني للجزيرة.

ويولي المسؤولون في إدارة بايدن، الذين يقومون بصياغة سياساتهم تجاه الصين، اهتماماً خاصاً لتايوان. ويحاولون فهم ما إذا كان الغموض الاستراتيجي كافياً لحماية الجزيرة التي تزداد ضعفاً أمام «مخططات بكين». بيد أنهم يدركون أيضاً أن الأميركيين لن يتقبّلوا بودّ أيّ التزامات عسكرية جديدة بعيدة المدى لبلادهم، بعد عقدين من الصراع الدموي العالي الكلفة في الشرق الأوسط.

ولهذا السبب، أثار تصريح الأدميرال ديفيدسون، الشهر الماضي، الكثير من الاستغراب، عندما اعترف أثناء استجوابه، في كلام بدا أنه ابتعاد عن الرسائل الحكومية المعتادة ، بأنه «ينبغي إعادة النظر في هذه السياسة»، مشيراً إلى أنه يتطلع إلى الحديث في هذا الشأن.

في هذا الإطار، قال المدير السابق لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية في عهد الرئيس السابق، جورج دبليو بوش، والذي يشغل حالياً منصب رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ريتشارد. ن. هاس: «ما شاهدتموه خلال العام الماضي هو عبارة عن قلق متزايد بسرعة في الولايات المتحدة بشأن تايوان»، مؤكداً أنّ الناس استيقظوا فجأة على احتمال أن تكون الحقبة التي بدا أنه تمّ خلالها إدارة هذه المسألة الحساسة بنجاح، قد انتهت.

وقد ساعد هاس في إثارة هذا الموضوع، العام الماضي، بعد ما نشر مقالاً في شهر أيلول في مجلة «Foreign Affairs»، أكد فيه أنّ سياسة الغموض الاستراتيجي وصلت إلى نهاية مسارها.

في هذا الإطار، كتب هاس مع زميله، دايفيد ساكس، أنّه «قد حان الوقت لكي تطرح الولايات المتحدة سياسة «الوضوح الاستراتيجي»، سياسة تظهر بوضوح أن الولايات المتحدة سوف ترد على أي استخدام صيني للقوة ضد تايوان».

وأضافا إن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، قد يشكّك بمدى رغبة الولايات المتحدة في الدفاع عن حلفائها بعد أربع سنوات من حكم الرئيس السابق، دونالد ترامب، الذي عارض «الحروب غير المتناهية»، وشكك علناً في العلاقات السياسية والأمنية للولايات المتحدة. وفي حين تكثر التصريحات القاسية، فإن تعهداً أكثر وضوحاً من شأنه أن يكون أكثر أماناً.

كذلك، أكد الزميلان أنّ سياسة كهذه من شأنها أن تقلّل من فرص حصول سوء «تقدير صيني»، الذي يعتبر المحفز الأكبر لنشوب حربٍ في مضيق تايوان.

وفي الأشهر الأخيرة، بدأت الفكرة تكتسب الكثير من الاهتمام، ضمن الكابيتول حتى.

في هذا السياق، قدم السيناتور ريك سكوت، مشروع قانون يسمح للرئيس الأميركي بالقيام بعمل عسكري للدفاع عن تايوان ضد أي هجوم صيني، وهو كفيل بإزالة الغموض عن نيات أميركا. وعندما أدلى السيد هاس بشهادته، الشهر الماضي، أمام فريق لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس النواب بشأن آسيا، أُمطر عليه بالاسئلة المتعلقة بكيفية ردع التهديد الصيني لتايوان.

وفي تصريحات لـ«واشنطن بوست»، في شهر شباط، وصف وزير الدفاع ومدير وكالة المخابرات المركزية، روبرت م. غيتس، الذي عمل تحت رئاسة كلا الحزبين، بمن فيهم السيدان بوش وباراك أوباما، تايوان بأنها أحد جوانب العلاقات الأميركية ــــ الصينية التي تعنيه أكثر من غيرها.

وقال غيتس إن الوقت حان «للتخلّي عن استراتيجيّتنا الطويلة الأمد القائمة على الغموض الاستراتيجي تجاه تايوان».

وقد برز طرح، من غير المرجّح أن ينفّذ، حول هذه الفكرة، حين أعلن النائب الديموقراطي السابق من ولاية ماساتشوستس، بارني فرانك، الذي يتابع منذ وقت طويل القضايا العسكرية، في مقال رأي في صحيفة «هيل»، الشهر الماضي، أنه استناداً إلى مبدأ حقوق الإنسان، يجب على الولايات المتحدة أن تضمن حماية هذه الديموقراطية الآسيوية المزدهرة من «الامتصاص القسري من قبل نظام وحشي بلا خجل، يعدّ مثالاً على إنكار حقوق الإنسان الأساسية».

وأشار فرانك إلى «أنّ الصين لا تأخذ بالاعتبار أي شيء آخر» غير القوة الهادفة «إلى إنقاذ 23 مليون تايواني من فقدان حقوقهم الإنسانية الأساسية».

وبالرغم من أنّ تايوان هي ذات قيمة محدودة من الناحية الإقليمية، فقد اكتسبت في السنوات الأخيرة أهمية استراتيجية أكبر باعتبارها واحداً من أبرز منتجي أشباه الموصلات في العالم، وهو المعادل التكنولوجي العالي للنفط، في المواجهة الضخمة الناشئة بين الولايات المتحدة والصين التي تواجه نقصاً في إمدادات الرقاقات الدقيقة.

وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تقديم إدارة بايدن عروض دعم لتايوان، وصفها البعض بأنها قوية بشكل مدهش.

وعندما أرسلت الصين عشرات الطائرات الحربية فوق مضيق تايوان، بعد أيام من تنصيب بايدن في كانون الثاني، أصدرت وزارة الخارجية بياناً أعلنت فيه التزام أميركا «الصلب» تجاه الجزيرة. كما أثار بايدن موضوع تايوان أثناء اتصاله الهاتفي، في شباط، مع الرئيس الصيني. وعبّر وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي، جيك سوليفانن عن قلقهما بشأن الجزيرة خلال اجتماعهما، الشهر الماضي، في أنكوريج مع اثنين من كبار المسؤولين الصينيين.

كذلك، أكدت مديرة مشروع الطاقة في الصين، في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، بوني غلاسر: «أعتقد أن الناس يبذلون قصارى جهدهم للقول للصين: لا تخطئوا في التقدير، نحن ندعم تايوان بقوة».

وتابعت أنّها فوجئت بمقاربة فريق بايدن المبكرة حول تايوان، الذي حافظ حتى الآن على الدعم السياسي المكثف الذي كانت إدارة ترامب تقدمه للجزيرة، وهو استفزّ بشكل كبير عدداً من المنتقدين. وأشارت إلى أن بلينكن حثّ أخيراً رئيس الباراغواي، في مكالمة هاتفية، على الحفاظ على علاقات بلده الرسمية مع تايوان، على الرغم من ضغوط بكين، وأن سفير الولايات المتحدة لدى بالاو، وهي دولة أرخبيلية في غربيّ المحيط الهادئ، انضمت أخيراً إلى وفد دبلوماسي قادم من الباراغواي إلى تايوان.

وقالت غلاسر إنّ «هذه الخطوة هي خارج نطاق الممارسة الدبلوماسية العادية. أعتقد أن ذلك كان غير متوقع».

غير أنّ غلاسر لا تؤيد حصول التزام أكثر وضوحاً من الولايات المتحدة بالدفاع عن تايوان. ويوافقها على هذا الرأي العديد من المحللين والمسؤولين الأميركيين. فهي تتخوف من أن تغييراً في السياسة كهذا سيستفزّ الصين.

على إثره، تؤكد المديرة أنّ خطة كهذه قد تؤدّي إلى حشر الرئيس تشي في الزاوية، ما قد يسبّب فعلياً في غزو صيني للجزيرة التايوانية.

ويخشى آخرون أن يؤدي ضمان أمني أميركي ملموس إلى تشجيع زعماء تايوان على إعلان الاستقلال رسمياً، وهذه الخطوة، مهما بدت رمزية باعتبار أنّ أمام الجزيرة 70 سنة إضافية من الاستقلال الذاتي، ستكون بالنسبة إلى بكين، بمثابة تجاوز لأحد الخطوط الحمر.

وقد أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية، وو كيان، في كانون الثاني أنّ «استقلال تايوان يعني الحرب».

بالإضافة إلى ذلك، يرى بعض المحلّلين أنّ إدارة بايدن قد تتمكّن من ردع الصين من دون استفزازها من خلال تحذيرات أكثر قوة دون تقديم تعهّد صريح بالدفاع عن تايوان. ويمكن لمسؤولي الولايات المتحدة أيضاً إصدار تحذيرات خاصة إلى بكين، لا تنتقص من قيمة الرئيس تشي بشكل علني.

ويؤكد نائب مساعد وزير الدفاع السابق لتطوير الاستراتيجية والقوة في عهد ترامب، إلبريدج. أ. كولبي: «نحن بحاجة إلى جعل الصين تفهم أننا سنأتي للدفاع عن تايوان».

منذ فترة طويلة، تقدم الولايات المتحدة المعدات العسكرية لتايوان، بما في ذلك مليارات الدولارات من مبيعات الأسلحة في ظل إدارة ترامب، ومن ضمنها الطائرات المقاتلة وصواريخ «جو ــــ أرض» التي تسمح للطائرات التايوانية بضرب الصين. أما الهدف من معدات كهذه فهو التقليل من حاجة تايوان إلى التدخل الأميركي إذا تعرضت للهجوم.

غير أنّ كولبي وغيره يقولون إن الولايات المتحدة لا بد من أن تطوّر رادعاً عسكرياً أكثر مصداقية في منطقة المحيط الهادئ، لمواكبة التقدم الذي أحرزته المؤسسة العسكرية الصينية هناك أخيراً.

وأثناء الإدلاء بشهادته أمام لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، الشهر الماضي، قال مستشار الأمن القومي السابق لترامب، هربرت مكماستر، إن سياسة الغموض الحالية هي كافية.

وتابع: «يجب أن تكون الرسالة الموجهة إلى الصين كالآتي: يمكنك أن تفترض أن الولايات المتحدة لن تستجيب، غير أنّ هذا الافتراض نفسه حصل في حزيران، من عام 1950، حين غزت كوريا الشمالية كوريا الجنوبية».


المصدر: «نيويورك تايمز»