كان من الطبيعي أن تشهد أرمينيا أزمةً سياسية حادّة مثل التي عرَفَتها أوّل من أمس. فحربها مع آذربيجان التي بدأت في 27 أيلول/ سبتمبر، وانتهت باتفاق في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، كان لا بدّ أن تترك آثارها على الجميع. وإذ انتهت الجولة الأخيرة إلى هزيمة قاسية جداً تكبّدتها يريفان، أشارت التوقّعات إلى أن يدفع رئيس وزرائها، نيكول باشينيان، ثمنها باستقالته، أو إقالته. لكن حسابات روسيا، التي نجحت في إعادة نفوذها إلى أرمينيا، كانت في إبقائه في السلطة، على الأقلّ ريثما يتمّ تنفيذ اتفاق ناغورنو قره باغ. وجاءت تصريحات رئيس الوزراء الأرميني في شأن عدم فعالية صواريخ «اسكندر» الروسيّة خلال حرب قره باغ، لتثير حفيظة موسكو التي كانت تستعدّ لبيع مثل هذه الصواريخ لدول أخرى. وقال باشينيان «إن سبب الهزيمة هو الأسلحة الروسية. إن 90% من صواريخ اسكندر ذات الإنتاج الروسي لم تنفجر وانفجر منها 10% فقط». وهي تصريحاتٌ أتت ردّاً على رئيس الجمهورية السابق، سيرج سركيسيان، الذي تساءل، أخيراً، عن سبب عدم استخدام تلك الصواريخ في المعارك مع آذربيجان.

وعلى رغم أن روسيا اعتبرت ما جرى بين الحكومة وقيادة القوّات المسلحة شأناً داخليّاً أرمينيّاً، ساد انطباع بأن موسكو تقف خلف محاولة الانقلاب على باشينيان، على خلفيّة تشهيره بالصناعة العسكرية الروسية. وانطلقت الأزمة في أعقاب طلب رئيس الأركان، أونيك غاسباريان، من رئيس الوزراء الاستقالة، وهو ما اعتبره هذا الأخير محاولة انقلابيّة، داعياً أنصاره للنزول إلى ساحة الجمهورية لدعمه، وهو المعروف بأنه «خبير» بلعبة الشارع. وإذ اتّخذ باشينيان قراراً بتنحية رئيس الأركان وقادة القوّات المسلحة، فإن رئيس الجمهورية، أرمين سركيسيان، رفض حتى الآن التوقيع على قرار الإقالة، مع العلم بأن غاسباريان قال إن أرمينيا تمتلك صواريخ «اسكندر»، لكن باشينيان رفض السماح باستخدامها! ومع العلم أيضاً بأن أرمينيا كانت قد تلقّت دفعةً من هذه الصواريخ التي يبلغ مداها 500 كيلومتر في عام 2016.
كان من الممكن لقرار تنحية باشينيان أن يعيد خلط الأوراق في يريفان وجنوب القوقاز في اتجاه رفض تطبيق اتفاق قره باغ، وهو ما يعني العودة إلى النقطة الصفر، الأمر الذي تخشاه تركيا وآذربيجان. ومن هنا، كانت تركيا أوّل دولة تندّد بمحاولة الانقلاب، إذ رفض وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، من بودابست، أيّ محاولة انقلابية في أيّ مكان، ومن أيّ جهة أتت. لذا، تابعت أنقرة الوضع عن كثب، وأمامها سؤال كبير عن مصير ممرَّي لاتشين من أرمينيا إلى قره باغ، و»الممرّ التركي» بين نخجوان وآذربيجان. وهي ترى أن بقاء باشينيان يحمي اتفاق قره باغ، كما أن مجيء العسكر إلى يريفان يعني ظهور تنظيم «أسالا» الأرميني العسكري، و»حزب العمّال الكردستاني». كذلك، حذّر رئيس آذربيجان، إلهام علييف، أرمينيا من عدم تنفيذ الاتفاق، مهدّداً بأنه في هذه الحالة، ستَدخل الجارة الأرمينية في وضع أسوأ. وقال: «لو سمعت أرمينيا لنا قبل الحرب، لَمَا وقعت في هذه الهاوية».

تنحية باشينيان يمكن أن تعيد خلط الأوراق في يريفان وجنوب القوقاز في اتجاه رفض تطبيق اتفاق قره باغ


ومع أن روسيا ترى في باشينيان أيضاً رجل المرحلة لتطبيق اتفاق قره باغ، فإنها كانت تنتظر الانتهاء من هذه المرحلة لإطاحته، على اعتبار أنه صنيعة الغرب، ولم تشعر يوماً بميل نحوه منذ مجيئه إلى السلطة في عام 2018. وقد راكم باشينيان، بتصريحاته عن عدم فعالية صواريخ «اسكندر»، السخط الروسي عليه. فقيادة الجيش الأرميني موالية بالكامل لروسيا، حيث 70 أو أقلّ من ذلك بقليل من 81 ضابطاً رفيعي المستوى، كما ثلاثون من كبار ضباط الشرطة، وقّعوا طلب تنحية رئيس الوزراء بعد يوم واحد من إقالته النائب الأوّل لرئيس الأركان، تيغران خاتشاتريان. والأخير الذي يبلغ من العمر 43 عاماً، وكان له دور بارز في معارك التسعينيات وقيادة جبهة شوشي تحديداً، كان يُتوقَّع أن يصبح لاحقاً رئيساً للأركان. لذلك، أوقع قرار إقالته صدى سلبياً في أوساط قيادة الجيش. وفي أرمينيا أيضاً قاعدتان روسيّتان وعشرة آلاف جندي. ولم تكتفِ قيادة الجيش بدعوة باشينيان إلى الاستقالة، بل إن قيادة الكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية فعلت الشيء نفسه، ما يعني أنه أصبح محروماً من دعم فئات واسعة من المجتمع.
ويقول الكاتب في «غازيتيه دوار»، فهيم طاشتكين، إن روسيا لا تشعر بالحرج ولا بالضعف، بل ترى أنها ضاعفت نفوذها في المنطقة. والاعتقاد أنها وراء محاولة الانقلاب ليس بعيداً عن الحقيقة، حيث إن قائد القوات المشتركة الروسية ــــ الأرمينية، تيغران بارفانيان، كان من بين الموقّعين على طلب تنحية باشينيان. وما قولها إن ما جرى شأن داخلي، سوى محاولة منها لإطاحة باشينيان سلمياً. ويضيف طاشتكين إن التحسّس بالثقل العسكري في الأحداث الأخيرة يقوّي الاتجاه نحو نشوب حرب جديدة في القوقاز. ويرى ريشارد غيراغوسيان، مدير «مركز الأعمال الإقليمية» المستقلّ في يريفان، من جهته، في حوار مع صحيفة تركية، أنه لا يمكن إسقاط الحكومة، ليس لأنها قوية، بل لأنه لا بديل واقعياً لها. ويقول إن الأزمة القائمة هي أعمق بكثير مما يُرى؛ فالبرلمان بيد حزب واحد والحكومة بيد شخص واحد، والمعارضة غير قادرة على التحشيد والضغط، والناخب واقعٌ بين شرّين. لذلك، فإن المراقبين يَرَون أن الحلّ المتاح، في هذه المرحلة، هو الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة تحسم الصراع وتُبقي السلطة بمنأى عن الانقلابات العسكرية غير الديموقراطية. وفي هذا الإطار، كانت لافتةً مساعي رئيس «جمهورية أرتساخ» (قره باغ)، أريك هاروتونيان، إلى التوسّط بين السلطة والجيش في يريفان، إذ إن ضعف السلطة المركزية في يريفان لا يعني سوى المزيد من تقهقر قضية قره باغ بالنسبة إلى الأرمن.
أمّا الولايات المتحدة فلا تزال تراهن على بقاء باشينيان، رجلها الأوّل، إذ دعا الناطق باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، الجيش إلى عدم التدخّل في الشؤون السياسية للبلاد، فيما حضّ الاتحاد الأوروبي على الهدوء. ويرى رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة «أفق» التركية، سنجر إيمير، أن القصة كلّها تُختزل بالصراع بين روسيا وأميركا التي زرعت باشينيان في قلب منطقة النفوذ الروسي. ويقول إيمير إن باشينيان جاء بدعم الدياسبورا الأرمينية في الغرب، وهو لا شكّ ارتكب أخطاء كثيرة، لكن هذه الدياسبورا تشكّل عامل تخريق للوضع في يريفان. أما هازال يالين، فتكتب أن باشينيان لا يحظى بأكثر من 8% من دعم الشعب، وأن نسبة مَن يريدون انتخابات مبكرة أكبر من نسبة مَن لا يريدونها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا