عادت أرمينيا إلى الواجهة الدولية، ولكن هذه المرّة من بوّابة أزمة داخلية تعصف بها، على خلفية النزاع الذي خاضته مع أذربيجان قبل أشهر، وانتهى باتفاق سلام بينهما، بعد أكثر من ستة أسابيع من القتال. وبدأت الأزمة بقرار رئيس الوزراء، نيكول باشينيان، أول من أمس، إقالة النائب الأول لرئيس الأركان، تيغران خاتشاتريان، ليردّ الجيش بمطالبة باشينيان بالاستقالة، الأمر الذي اعتبره الأخير محاولة انقلاب عليه. وجاء قرار باشينيان على خلفية استهزاء خاتشاتريان بتصريحات رئيس الوزراء حول عدم فعالية صواريخ «إسكندر» الروسية أثناء المعارك الأخيرة مع أذربيجان، والتي انتهت باتفاق سلام برعاية روسية في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، استعادت أذربيجان بموجبه معظم أراضي إقليم ناغورني قره باغ، ومناطق محيطة به، وهو ما قوبل بغضب في أرمينيا، وبضغوط على باشينيان للاستقالة. وتصاعد الغضب مع الوقت، حتى وصل إلى تجمُّع آلاف المتظاهرين في ساحة الحرية في وسط يريفان، يوم السبت الماضي، هاتفين: «أرمينيا من دون نيكول» و»نيكول خائن». وقال إيشكان ساغاتليان، زعيم حزب «طاشناقتسوتيون» المعارضِ، أمام الحشود: «نحلم بوطن قوي جبار، والعقبة الوحيدة أمام تحقيق هذا الهدف هو نيكول باشينيان»، مضيفاً: «لن نتراجع، سنتخلّص من باشينيان».

وفي خلال اليومين الماضيين، اتخذ النزاع الداخلي منحًى تصعيدياً، في ظلّ قرار باشينيان الاحتكام بدوره إلى الشارع، عبر دعوته إلى مسيرة لأنصاره في وسط العاصمة يريفان، في مقابل تجمّع المعارضين له. وندّد باشينيان، أمس، بما اعتبرها محاولة انقلاب عسكري عليه. وكتب على صفحته على موقع «فيسبوك»: «أعتبر أن بيان هيئة الأركان هو محاولة انقلاب عسكري». وأضاف: «أدعو جميع أنصارنا إلى التجمُّع في ساحة الجمهورية» في يريفان. وعقب ذلك، أعلن رئيس الوزراء، في كلمة مباشرة على شبكة التواصل الاجتماعي التي يفضّلها، إقالة الجنرال أونيك غاسباريان، رئيس هيئة الأركان العامة. وعلى الأثر، دعا حزب المعارضة الرئيس، باشينيان، إلى اغتنام «الفرصة الأخيرة» للخروج من السلطة من دون عنف، وتجنُّب «حرب أهلية». وقال حزب «أرمينيا المزدهرة»، أكبر تشكيلات المعارضة: «ندعو نيكول باشينيان إلى عدم قيادة البلاد إلى حرب أهلية وإراقة دماء». وأضاف: «لدى باشينيان فرصة واحدة أخيرة للمغادرة من دون حدوث أيّ اضطرابات».

دعت المعارضة رئيس الوزراء إلى اغتنام «الفرصة الأخيرة» للخروج من السلطة


وتَوجّه باشينيان، شخصياً، إلى «ساحة الجمهورية»، حيث حضر قرابة 20 ألفاً من أنصاره، على بعد مسافة كيلومتر من موقع تظاهرة للمعارضة، طالبه فيها نحو 10 آلاف شخص بالاستقالة. وقال أمام أنصاره، مستخدماً مكبِّراً للصوت: «الوضع متوتّر، لكن علينا أن نتّفق على أنه لا يمكن أن تقع صدامات»، مضيفاً أن انعدام الاستقرار السياسي المستجدّ الذي يأتي بعد أشهر من الاحتجاجات المندّدة بحكمه «يمكن إدارته». كذلك، أشار إلى أن «البعض يحاول الزجّ بالجيش​ في عمل غير دستوري، والشعب لن يسمح بحدوث انقلاب عسكري»، مشدداً على أنه «لا يمكن للجيش أن يشارك في السياسة، وعليه أن يطيع الشعب». واعتبر أن «استقالته يحدّدها الشعب لأنّه من انتخبه»، مؤكّداً أن «تغيير السلطة لا يمكن أن يحدث إلّا عبر انتخابات مبكرة أو عادية».
من جهته، أعلن الرئيس الأرميني، أرمين سركيسيان، أنه بصدد اتخاذ تدابير عاجلة لوضع حدّ لأزمة سياسية. وقال: «أدعو الجميع، من هيئات رسمية ووكالات تطبيق القانون وقوى سياسية، وجميع الموطنين إلى ممارسة ضبط النفس وتحكيم المنطق. كلّ كلمة أو فعل غير مدروس يفاقم التوترات ويُعمّق الأزمة». وأضاف: «مع تأكيدي على دور الرئاسة كهيئة لتحقيق التوازن، أقوم باتخاذ تدابير عاجلة لنزع فتيل التوتّرات وإيجاد السبل لتسوية الوضع سلمياً». إلّا أن الرئيس الأرميني يضطلع بدور رمزي إلى حدّ كبير، وبالتالي ليس من المتوقّع أن يتمكّن من القيام بالكثير.
في غضون ذلك، دعا الكرملين، الذي قال إنه «قلق» من الوضع، إلى «الهدوء» في هذه الجمهورية السوفياتية السابقة. وقال المتحدّث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، للصحافيين: «نتابع الوضع في أرمينيا بقلق، وبالطبع ندعو الجميع إلى الهدوء». كذلك، ندّدت تركيا «بشدّة» «بمحاولة الانقلاب» في الدولة الجارة، التي تتّسم علاقاتها معها بالتوتُّر. وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو: «نعارض الانقلابات أو محاولات الانقلاب في أيّ مكان في العالم. بالتالي ندين بشدّة محاولة الانقلاب في أرمينيا». وجاءت تصريحات أوغلو خلال مؤتمر صحافي في بودابست مع نظيره المجري، بيتر سيارتو. ورأى الوزير التركي أن «محاولات الانقلاب لن تؤدّي سوى إلى زعزعة استقرار المنطقة ولهذا نعارضها».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا