باتت أولوية المواجهة الاستراتيجية مع الصين محطّ إجماع واسع في الولايات المتحدة، فيما يتّضح أن توجهات إدارة جو بايدن تجاه بكين تُمثّل، في خطوطها العامة، استمرارية لتلك المعتمَدة من قِبَل إدارة دونالد ترامب. مع ذلك، من المحتمل أن نشهد تمايزاً في الأسلوب، ومقاربة مختلفة للحرب التجارية. خلال مداخلته أمام مجلس الشيوخ، في 19 كانون الثاني/ يناير الماضي، أكد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، أن الصين تُمثّل التحدّي الاستراتيجي الأبرز بالنسبة لبلاده، وأثنى على مواقف الرئيس السابق الحازمة حيالها. لكن واشنطن تريد في الآن نفسه إشراك حلفائها الأوروبيين في «التنافس الاستراتيجي» مع بكين، والشروع في تقييم جدّي لبعض جوانبه. ومن غير المستبعد، على رغم الإبقاء على العقوبات ضدّ الصين، أن تعيد إدارة بايدن النظر في التعرفات الجمركية التي فُرضت على المنتَجات الصينية المصدَّرة إلى الولايات المتحدة.

يشير مارك جوليين، مسؤول ملفّ الصين في مركز آسيا في «المركز الفرنسي للعلاقات الدولية»، إلى أن «فرض تعرفات باهظة على المنتجات الصينية كان سيفاً ذا حدّين بالنسبة لواشنطن. فقد أثقل هذا الأمر كاهل المستهلكين وبعض المنتجين الأميركيين. هناك الكثير من المنتجات المصنَّعة في الصين من قِبَل شركات أميركية تُعدّ واردات عندما تدخل السوق الأميركي. أدّى ذلك إلى ارتفاع الأسعار في هذا السوق، كما حصل مع منتجي الصويا الذين أضحوا عاجزين عن بيعها». وإلى جانب احتمال التخلّي عن خيار الحرب التجارية التي أضرّت بالاقتصاد الأميركي، هناك مجالات، كالتَغيُّر المناخي، قد تشهد تعاوناً مع بكين. إذ إن «بايدن أعلن بوضوح، منذ اليوم الأول لوصوله إلى منصبه، أنه سيلتزم باتفاقية باريس حول المناخ. صحيح أن هدفه الأول هو تعزيز العلاقات مع الشركاء الأوروبيين، لكننا أمام إمكانية التعاون أو ما يشبه التعاون في هذا الميدان مع الصين»، وفقاً لجوليين.

تجد الولايات المتحدة صعوبة في صدّ نفوذ الصين في آسيا الوسطى وأفريقيا وأميركا اللاتينية


غير أن التنافس على الموارد الطبيعية بين العملاقَين قد يحتدم، على رغم تبعيّتهما المتبادلة. وفي هذا الإطار، خَصّصت «المجلة الاستراتيجية والدولية»، الصادرة عن «معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية»، ملفّاً للموضوع المذكور، المحوري في المواجهة الصينية - الأميركية، في عددها الصادر في كانون الأول/ ديسمبر الماضي. تُعدّ واشنطن وبكين أبرز منتجَين ومستهلكَين في السوق العالمية للمواد الأولية، مع 9% للأولى و21% للثانية من إجمالي الواردات. لكن البلدين يتمتّعان بميزات تفاضلية مختلفة. فواشنطن، من جهتها، هي المنتِج الأول للنفط والغاز، وتتفوّق في قطاع الطاقة، بينما تزايدت تبعية بكين في ذلك المضمار في العقد الأخير. لكن الصين لديها ميزة تفاضلية لا يمكن إنكارها في مجال المواد الأولية الصناعية، خاصة بالنسبة إلى المعادن الاستراتيجية الضرورية لتكنولوجيات المستقبل ولعملية الانتقال إلى صناعات تحدّ من انبعاثات الكربون. بكين، بحسب الخبراء، تسيطر على حوالى 50% من الإنتاج العالمي للكوبالت، ونحو 60% من مخزون الليثيوم. وهي تتقدّم على الولايات المتحدة، التي تنمو تبعيتها باطّراد بالنسبة للكوبالت والجرمانيوم. هناك، إذاً، تبعية متبادلة بين الدولتين في ميدان المواد الأولية، يفترض أن تُشجّع على التعاون ودرجة معيّنة من التكامل. لكن واشنطن لا تتبنّى مثل هذه المقاربة برأي مارك جوليين: «هناك مواد أولية تُعتبر حيوية بالنسبة لبعض الصناعات، وعدم الحصول عليها ستكون له تداعيات استراتيجية خطيرة على التنافس المتصاعد الصيني - الأميركي. واشنطن تسعى قدر الإمكان لحرمان بكين منها نظراً لأهمّيتها في المجال التكنولوجي، حيث يحتدم هذا التنافس».
غير أن الولايات المتحدة تجد صعوبة كبيرة في صدّ نفوذ الصين المتّسع باستمرار في آسيا الوسطى وأفريقيا وأميركا اللاتينية. وقد اتّضح أن مشروع طريق الحرير وَفّر فرصة استثنائية لتزويد الصين بالمواد الأولية رغماً عن واشنطن. وبينما قاد استقلال الأخيرة في مجال الطاقة إلى نوع من الانطواء على الذات، فإن بكين تجاوزت تبعيتها البنيوية في مجالَي الطاقة والغذاء، عبر الانفتاح على الخارج. فمشروع «الحزام والطريق»، الذي وصفه بعض المحلّلين باعتباره «حصان طروادة في قلب مناطق نفوذ أميركي حصري تقليدياً»، أتاح لبكين تنويع مصادر وارداتها وضاعف من انتشار نفوذها. لكن النجاح الكامل لهذا المشروع ما زال قيد النقاش. فبعض البلدان لم تعد لديها القدرة على تسديد ديونها للصين، وهذه المديونية، وما يترتب عليها من مفاعيل بالنسبة للبلدان التي تعاني منها، تَحدّ من جاذبية بكين. «من المؤكد أن النفوذ الصيني يتّسع بفضل طرق الحرير، عبر القروض التي تُقدّمها بكين وكذلك استثماراتها في البنى التحتية في بلدان كثيرة. ولكن، بينما كان الحديث في 2013 عن مئات مليارات الدولارات المُخصّصة للاستثمار، لحظنا تباطؤاً وتراجعاً فعلياً للاستثمارات منذ 2017. وستكون لجائحة كورونا، بلا ريب، انعكاسات سلبية على قدرة الصين على الاستثمار في الخارج، وصورتها في بلدان عديدة لم تتحسّن حتى الآن»، يختم جوليين.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا