جاءت التطوُّرات الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي لتعيد زخم الاهتمام الدولي والإقليمي بواحدة من أفقر مناطق العالم، وأكثرها هشاشة وتراجعاً في مؤشّرات التنمية البشرية بشكل عام، على رغم موقعها الاستراتيجي بالغ الأهمية لجميع الأطراف الفاعلين في عالم اليوم. وبينما يحاول رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، مواجهة أزماته الداخلية الحادّة بمقاربات إقليمية تكتيكية، مثل التحالف «غير المقدّس» مع إريتريا (وتبعاته السلبية على مكوّنات سكّانية معتبرة في البلدين)، وإهمال معالجة الأزمة الحدودية مع السودان بضبط تحرُّكات القوات العسكرية في ولاية الأمهرا وميليشياتها غير النظامية التي دأبت على انتهاك سيادة السودان ومواطنيه داخل أراضيه، وإثارة عامل التهديدات الإرهابية التي «تضرب الإقليم»، إضافة إلى المراوغة الخطيرة في ملفّ النزاع المائي مع مصر والسودان في الفترة الأخيرة؛ فإن علاقات بلاده مع تركيا، والتحسُّن الملموس فيها على خلفية الاحتفاء بمرور 125 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين (المؤسَّسة في عام 1896)، وما سبقها بأيام من اتهامات إثيوبية رسمية لإيران بالتخطيط لهجوم على سفارة الإمارات في أديس أبابا، تُؤشّر إلى مساعٍ إثيوبية مستمرّة للانخراط بشكل أكبر في السياسات الإقليمية في الشرق الأوسط، بهدف إعادة رسم تموضع إثيوبيا التي قرّرت عقد انتخاباتها المؤجَّلة طوال أكثر من عامين - بحجج لوجيستية واهية - في الخامس من حزيران/ يونيو المقبل، في تاريخ بالغ الدلالة شرق أوسطياً.


تطوُّرات متسارعة
تتسارع وتيرة التطوُّرات السياسية في الإقليم بشكل ملحوظ. ففي الصومال، فَوّت الفرقاء السياسيون، وفي مقدّمتهم الرئيس المنتهية ولايته محمد عبد الله فرماجو، موعد عقد الانتخابات البرلمانية ثمّ الرئاسية بحلول 8 شباط/ فبراير الجاري، ما وضع البلاد، التي تعاني من مشاكل جمّة وصعوبات في ضبط مسار إعادة بناء الدولة، أمام سيناريو «ربيع عربي» سيُختبر الجمعة الواقع في 19 شباط، بدعوة مختلف قوى المعارضة السياسية وما يُعرف «بتحالف مرشّحي الرئاسة» إلى تظاهرات حاشدة في مقديشو في ذلك اليوم، لا سيما بعد فشل التوافق على اجتماع مهمّ كان مقرّراً عقده يوم 15 شباط لتطبيق مخرجات اتفاق 17 أيلول/ سبتمبر 2020، والمضيّ قُدُماً في العملية الانتخابية.
أمّا إريتريا، فإنها تواجه تداعيات مشاركتها في الحرب في إقليم التيجراي، حيث طال أسمرا أول انتقادات إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، المتعلّقة بالقرن الأفريقي. كما يُتوقّع أن يواجه نظام الرئيس أسياس أفورقي مشكلات جسيمة في الفترة المقبلة، على مستوى علاقاته الاستراتيجية ببعض دول البحر الأحمر، لا سيما مصر. ويمكن أن يَتحقّق ذلك على خلفية حجم الدور الكبير الذي لعبه أفورقي في تيجراي، وصولاً إلى تدريب أعداد كبيرة من القوات الصومالية في الأراضي الإريترية بتنسيق مع جهاز المخابرات الصومالي الذي يقوده فهد الياسين، المُقرّب من قطر وتركيا. يأتي هذا وسط تقارير لوكالة «أسوشيتد برس»، تأكّدت الأسبوع الحالي، ببدء الإمارات تفكيك أجزاء من قاعدتها العسكرية في ميناء عصب الإريتري عقب «انسحابها» من الحرب في اليمن. يُضاف إلى تقدّم التعقيدات الحقيقية التي أصبحت تواجه أسمرا وتحرُّكاتها، كما اتّضح في اضطراب حديث أفورقي في آخر مقابلاته (بُثّت عبر التلفزيون الإريتري الرسمي في 17 شباط)، ومنها قوله إن بلاده أصبحت تجاور إقليم الأمهرا، بدلاً من التيجراي، فيما نبّه إلى عدم استعجال حكومته في مسألة سحب الجنود الإثيوبيين من المناطق الحدودية المتنازع عليها بين البلدين بمقتضى اتفاق السلام بينهما (تموز/ يوليو 2018).

تمكّنت إثيوبيا من تفادي أيّ ضغوط إقليمية لتغيير سياساتها التي قد تقود إلى أزمات واسعة


وفيما يُتوقّع أن تُعقد الانتخابات الرئاسية في جيبوتي في نيسان/ أبريل المقبل، وسط مقاطعة كبيرة من قوى المعارضة، وتوقُّعات مؤكدة بنجاح سهل للرئيس الحالي، عمر جيله، الذي يصطفّ وراء آبي أحمد في الملفّات الإقليمية والدولية كافة، فإن البلاد تواجه تصاعداً في تهديدات التوتر الصيني - الأميركي، الذي يُتوقّع أن تكون هذه الدولة إحدى ساحاته المهمّة أفريقياً. وتظلّ فرص جيبوتي في تجاوز تلك التهديدات قائمة حال عودة الاستقرار إلى الإقليم، وتفادي بكين وواشنطن سياسات تصادمية في البلاد، ووضعهما أولوية للاستقرار والسلام فيها لصالح القوى كافة الموجودة عسكرياً واقتصادياً. كما تحاول جيبوتي تسوية أزمة «لوجيستية» مع فرنسا، التي زارها جيله قبل نحو أسبوع لإعادة التفاوض على الاتفاق الدفاعي الذي جُدّد للمرّة الأخيرة في عام 2011، ويمنح باريس حق استخدام جيبوتي كقاعدة لنحو 1500 جندي فرنسي، مقابل تزويدها الأخيرة بوسائل الدفاع الجوي، ودفع بدل استئجار سنوي بقيمة 40 مليون دولار. وسعى جيله في زيارته لإقناع الحكومة الفرنسية باستخدام بلاده لموقع القاعدة لإقامة حيّ أعمال جديد.

تقاطعات الدور التركي
استهلّت الإدارة الأميركية الجديدة انخراطها في شؤون القرن الأفريقي، فيما يواجه أزمة إنسانية طاحنة، مع مواصلة الحكومة الإثيوبية حملتها العسكرية في إقليم التيجراي منذ مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ما يُمثّل تحدّياً حقيقياً أمام الإدارة وخيارات موازنتها بين الديموقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون، ومصالحها الاستراتيجية في هذا الإقليم المضطرب. وترقُّباً للتحرُّكات الأميركية وطبيعتها في المنطقة، تنشط تركيا - ذات الحضور التقليدي هناك منذ قرون - بدور يتقاطع مع قضايا الإقليم المتشابكة.
ففي الملفّ الإثيوبي، سعت أنقرة إلى تأكيد شراكتها مع أديس أبابا في ملفّ مواجهة التهديدات «الإرهابية»، كما كان لافتاً قبول إثيوبيا وساطة تركيا في نزاعها الحدودي مع السودان، بعد رفض الأولى سلسلة من الوساطات الأفريقية على مستوى الدول والمنظّمات الإقليمية والفرعية. وفي سياق كثافة اللقاءات الدبلوماسية الإثيوبية - التركية في الشهور الأخيرة، تَوجّه ديميكي مكونن، نائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية الإثيوبية (ونائب رئيس حزب «الازدهار» الذي كوّنه آبي أحمد كبديل سياسي من الجبهة الشعبية الإثيوبية)، إلى تركيا يومَي الـ15 والـ16 من شباط الجاري (على هامش احتفال البلدين بالذكرى الـ125 لإقامة علاقات دبلوماسية بينهما) لمقابلة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، ومناقشة «سبل تقوية العلاقات»، واتّفق المسؤولان على الحاجة إلى تعميق صلات بلدَيهما في قطاعات أخرى، إلى جانب الاستثمار والتعليم والتبادل الثقافي، كما تناول اللقاء الوضع الراهن على الحدود الإثيوبية - السودانية. وذَكّر أوغلو بأهمية إثيوبيا لتركيا كوجهة استثمارية، كون بلاده ثاني أكبر مستثمر أجنبي في إثيوبيا (بقيمة رأسمال استثماري 2.5 بليون دولار، بعد الصين).
أمّا في الصومال، حيث تعاظَم الدور التركي - القطري في ظلّ رئاسة فرماجو، فقد بنت تركيا مواقفها من التطوّرات هناك بالاستناد إلى خبرتها الكبيرة في الشأن الصومالي، وعدم رهانها على شخص واحد، وإقدامها على تجاهل اتهامات المعارضة الصومالية لها بالتدخُّل في شؤون البلاد. تَمثّل ذلك في مواصلتها (عكس قطر التي آثرت الانسحاب راهناً من المشهد) الاصطفاف وراء الدعوات الأميركية والأوروبية إلى تغليب التوافق الوطني الصومالي على تطبيق اتفاق 17 أيلول/ سبتمبر 2020 أو خريطة الانتخابات السياسية الصومالية، في الوقت الذي تتجاهل فيه بشكل واضح مخاوف المعارضة الصومالية من الدور التركي، والتي اتّضحت جلية في خطاب لافت وجّهه سياسيون معارضون (نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2020) إلى الحكومة التركية، يدعونها فيه إلى وقف مبيعات أسلحة مقرَّرة لوحدة خاصة في قوة الشرطة الصومالية تتلقّى أوامر من الفرع التنفيذي في الحكومة، وسط اتهامات شخصيات بارزة في المعارضة لفرماجو باستخدام تلك الوحدة الخاصة لفرض مخرجات الانتخابات الإقليمية وتزويرها.

تواجه جيبوتي تصاعداً في تهديدات التوتر الصيني - الأميركي(أ ف ب )

واتضحت مقاربة تركيا البراغماتية للشأن الصومالي بشكل آخر، في 29 كانون الثاني/ يناير الفائت، عندما اجتمع شركاء الصومال الدوليون، وأصدروا بياناً يدعم «التطوُّرات السياسية الأخيرة» في البلاد، معتبرين التسويات السياسية «خطوة إيجابية» نحو تطبيق نموذج «17 سبتمبر» الانتخابي. اللافت هنا أن قائمة المُوقّعين في نهاية البيان خلت من اسم دولة قطر، على رغم إعلان الأخيرة دعم العمليات السياسية في الصومال، فيما أُدرج اسم تركيا، وهو ما لم يكن مستغرباً؛ إذ إن تركيا من أهمّ المستثمرين في الصومال، وتستضيف آلافاً من المهاجرين الصوماليين، كما أنها شريك تنموي خارجي رئيس، ولا تزال دولة مؤثرة في المسار السياسي الصومالي. وبحسب مراقبين مطّلعين، فإن تركيا تدعم بقوة رئيس الوزراء السابق، حسن علي خيري، على رغم ما يحظى به الرئيس الحالي من حظوة لديها.

تواطؤ إقليمي وترقُّب دولي
تمكّنت إثيوبيا من تفادي أيّ ضغوط إقليمية لتغيير سياساتها، التي قد تقود إلى أزمات واسعة غير قابلة للتسوية العاجلة في منطقة القرن الأفريقي. وعلى سبيل المثال، تفادت قمّة كتلة «إيغاد» الأخيرة مناقشة الأزمة، بل لم يقترح أيّ من قادة دول شرق أفريقيا حلولاً أو مجرّد انتقاد الحكومة الإثيوبية، وأضفوا شرعية على تحرُّكات آبي أحمد. واتّضح الموقف الهزيل للاتحاد الأفريقي من أزمات الإقليم (سواء تيجراي أو أزمة الحدود الإثيوبية- السودانية، وغيرهما) في اعتبار موسى فقي محمد، رئيس مفوضية الاتحاد (الذي أعيد انتخابه أخيراً في قمة الاتحاد الأفريقي لرئاسة المفوضية فترة أخرى على رغم سجل أدائه الذي اتفق مراقبون على أنه دون المستوى)، أن آبي أحمد اتخذ «خطوات جريئة للحفاظ على وحدة واستقرار إثيوبيا».
ولا يُتوقّع تغيُّر الموقف الإقليمي بأيّ حال من سياسات آبي أحمد، أو تداعياتها السلبية الخطيرة إقليمياً وداخلياً (كما يتّضح في الحالة السودانية ووجود أكثر من 60 ألف لاجئ، وإضافة مليونَي مشرّد داخلياً في إثيوبيا ليتجاوز إجمالي عددهم 5 ملايين نسمة، في رقم هو الأول عالمياً، ومرشّح للتصاعد على خلفية أزمات مرتقبة أخرى داخل إثيوبيا)، بينما أعلن الاتحاد الأوروبي تعليق أكثر من 100 مليون دولار من مساعداته التنموية لأديس أبابا، ريثما تسمح الحكومة بوصول المساعدات الإنسانية بحرّية كاملة إلى إقليم تيجراي. وفيما جرت أزمة تيجراي في نهاية عهد ترامب، فإن الرئيس الجديد - بحسب تحليلات عدّة - سيعمل على تغيير المسار وإعادة الانخراط الأميركي دبلوماسياً، باستخدام سياسات الجزر والعصيّ للضغط على حكومة آبي أحمد.

خاتمة
ترتبط التطوُّرات في إقليم القرن الأفريقي، كسمة الأقاليم الهشّة في العالم، في المقام الأول، بتفاعلات الأدوار الدولية والإقليمية، الأمر الذي يُعقّد مشاكل الإقليم ويطيل أمدها. وعلى رغم التحوُّلات السياسية المرتقبة (الانتخابات في الصومال وجيبوتي وإثيوبيا هذا العام)، فإن مسار التطوُّرات يظلّ محكوماً باعتبارين اثنين: استمرار نظم الحكم غير الناجحة حتى الآن في تلبية تطلُّعات شعوبها، أو الفوضى المطلقة التي تهدّد مصالح الفاعلين الدوليين والإقليميين.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا