تعيش كوسوفو إحدى أعمق أزماتها الداخلية منذ استقلالها عن صربيا في عام 2008. فبعد الجدل الذي أثاره تطبيعها علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي في الأوساط العامّة، تمكّنت المعارضة اليسارية من تحقيق فوزٍ في الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت يوم الأحد الماضي، مطيحةً قادةَ «الحرس القديم». هذا التفويض الشعبي أعاد رئيس الوزراء السابق، ألبين كورتي، إلى واجهة الحكم في البلاد، بعد أقلّ من أسبوعين من إعلان الإقليم، ذي الغالبية المسلمة، التطبيع مع تل أبيب بوساطة أميركية، وما تبعه من تعقيدات من الجانب الأوروبي الرافض فتح بريشتينا سفارة لها في القدس المحتلّة.

ووفق النتائج الرسمية الصادرة عن لجنة الانتخابات المركزية في العاصمة، حصد حزب «حركة تقرير المصير» الاشتراكي، الذي يتزعّمه كورتي، المرتبة الأولى بحوالى 48% من الأصوات، في مقابل حصول حزب «كوسوفو الديموقراطي»، الذي أسّسه قادة شاركوا في الحرب ضدّ القوات الصربية (1998 ـــ 1999)، على المرتبة الثانية بنيله 17%، تلاه حزب «رابطة كوسوفو الديموقراطية» (يمين وسط) بـ 13% من الأصوات، فيما جاء تحالف «مستقبل كوسوفو» في المرتبة الرابعة حاصداً 8%، وحلّ حزب «نسيما» في المرتبة الأخيرة بـ 2.5% من الأصوات. وفي مؤتمر صحافي عقده أوّل من أمس، أعلن كورتي، الذي رفع شعار «مكافحة الفساد» خلال حملته الانتخابية، فوز حزبه، قائلاً إن «هذا الانتصار الكبير فرصة لنا لبدء التغيير الذي نريده، لن ننتقم من أحد، لكننا سنُطالب بالمسؤولية عن الجميع وفي كل مكان، والعدالة دون انتقام». وتجدر الإشارة إلى أن الانتخابات البرلمانية المبكرة هي الثانية في خلال 18 شهراً، إذ دُعي إليها بعدما قضت المحكمة الدستورية، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بأن الحكومة الائتلافية التي تشكّلت، في حزيران/ يونيو الماضي، لم تكن «دستورية». كما أنها تُعدُّ الخامسة منذ إعلان استقلال الإقليم عن جمهورية صربيا قبل 13 عاماً.

توتّرت العلاقات بين بروكسل وبريشتينا بعد إعلان الأخيرة نيّتها فتح سفارة لها في القدس المحتلّة


ولا شكّ في أن حزب كورتي استفاد من النقمة الشعبية على الحكومة القديمة المتّهمة بالفساد والاستيلاء على الموارد والمحسوبية في هذا البلد الذي يعيش أزمة اقتصادية خانقة جرّاء تفشّي جائحة «كورونا»، التي أدّت إلى ارتفاع كبير في نسبة البطالة. وسيسعى كورتي إلى تشكيل ائتلاف حكومي عبر تحالفه مع الأحزاب التي تُمثّل الأقليات المخصَّص لها 20 مقعداً في البرلمان المؤلَّف من 120 نائباً. ويكمن التحدي الأكبر للحكومة الجديدة في مواصلة الحوار مع الجانب الصربي، والذي يجري برعاية الاتحاد الأوروبي ويهدف إلى تطبيع العلاقات مع بلغراد التي لا تزال ترفض الاعتراف باستقلال الإقليم. وعلى رغم مرور 20 عاماً على الحرب، لا تزال هذه القضية ــــ التي لم تُحلّ بعد ــــ تثير توتّرات في المنطقة، وتشكّل عائقاً أمام كلٍّ من بلغراد وبريشتينا الطامحَتين إلى الانضمام إلى التكتّل. العقبة الثانية التي ستواجهها حكومة كورتي ــــ المتّهم بأن لديه أهدافاً سلطوية ويمثّل تهديداً لعلاقة بريشتينا مع واشنطن ــــ هي العلاقة مع الأوروبيين التي توتّرت بعد إعلان كوسوفو نيّتها فتح سفارة لها في القدس المحتلة، بموجب الاتفاق الذي رعاه الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب. وتعتبر بروكسل أن الخطوة هذه ستكون لها تداعيات «ضارة» على بريشتينا الساعية إلى الانضمام إلى الاتحاد. ووفق الناطق باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، بيتر ستانو، فإن «موقف التكتُّل من نقل السفارات إلى القدس واضح؛ وتماشياً مع قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 478، فإن سفارات جميع الدول الأعضاء في الاتحاد يجب أن تكون في مدينة تل أبيب»، مضيفاً إن التكتّل «ملتزم بمبدأ حلّ الدولتين للنزاع الإسرائيلي ــــ الفلسطيني من خلال المفاوضات، وإيجاد طريقة لحلّ وضع القدس كعاصمة للدولتين». وتابع الناطق أن بروكسل «تتوقع أن تلتزم كوسوفو بموقفها، أو أن تخاطر بالإضرار بهويتها الأوروبية».
ولحلحلة هذا المأزق، تتوقّع مصادر صحافية كوسوفية، في حديثها إلى «الأخبار»، أن «يعمل الأوروبيون على إقناع الولايات المتحدة بإرجاء النظر في طلب كوسوفو فتح سفارة لها في القدس إلى المستقبل»، وخصوصاً أن الفريق الفائز بالانتخابات سبق أن أعلن أنه «سيستشير بروكسل في هذا الخصوص». في المقابل، ترى هذه الأوساط أن الحكومة الجديدة ستسير في اتجاه تعزيز العلاقات مع إسرائيل؛ إذ إن كوسوفو التي لا تزال تسعى إلى نيل الاعتراف بها على الساحة الدولية، حصّلت، من جرّاء التطبيع، اعترافاً إضافياً، وتراهن على تحصيل المزيد، وخصوصاً من الدول الإسلامية التي طبّعت أخيراً علاقاتها مع تل أبيب.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا