لندن | تقاطَع الضعف التقليدي للاقتصاد الإيطالي في السنوات الأخيرة مع التأثيرات السلبيّة المترتّبة على جائحة "كوفيد - 19"، للتسبُّب في انكماش اقتصادي حادّ خلال العام الماضي. ويَتوقّع بنك إيطاليا المركزي ارتفاع حالات الإفلاس بنسبة 60 في المئة هذا العام. وكان فَقَد أكثر من نصف مليون إيطاليّ وظائفهم، على رغم قرار حكومي بتجميد تسريح العمال، لا يزال سارياً إلى الآن. لكن هذا التجميد المؤقّت لن يستمرّ طويلاً - يُتوقّع رفعه نهاية آذار/ مارس المقبل -، ما سيُسقط ربع الإيطاليين على الأقلّ في براثن الفاقة والجوع. كذلك، تسبّب الوباء الذي ما زال متفشيّاً في البلاد بوفاة أكثر من 93000 شخص، لتترّبع إيطاليا على رأس دول الاتحاد الأوروبي في عدد الضحايا، ولتكون الثانية فقط بعد بريطانيا في مجمل القارة الأوروبية.

أمام مثل هذه الأزمة المعقّدة، ظهرت حكومة جوزيبي كونتي (الثانية)، المفتقرة إلى الفلسفة السياسية - تماماً مثل سابقتها -، كلجنة من البورجوازيين الذين يديرون البلاد على سبيل المجاملة وحُسن النيّة والخدمات المتبادلة من دون وجود الإرادة أو القدرة على مواجهة الأنواء. لكن اللحظة الحاسمة التي لم يعد بعدها ممكناً استمرار تلك الحكومة، أتت بعد فشل التوافق في البرلمان على الكيفية التي ستنفق فيها إيطاليا حصّتها المقررة من أموال "صندوق التعافي من الكارثة" الذي أطلقته بروكسل، والبالغة 209 مليارات يورو (نحو 240 مليار دولار). إثر ذلك، استقالت الحكومة في كانون الثاني/ يناير الماضي، وانعكس غياب التوافق في عدم حصول أيٍّ من الأطراف على أغلبية في البرلمان لتأليف حكومة بديلة. وكما حدث بالفعل بعد الانتخابات العامة في آذار/ مارس 2018، وفي صيف عام 2019، تدخَّل رئيس الجمهورية، سيرجيو ماتاريلا، مجدّداً للخروج من المأزق، عبر خطاب صريح حثّ فيه الأطراف كافة على تنحية ولاءاتهم السياسية، واختيار الشخصية الوحيدة التي يمكن أن تؤلف حكومة وحدة وطنية قابلة للحياة في ظلّ الوضع الحالي: الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي (مواليد 1947)، الذي يحظى بثقة بروكسل وتأييدها. وبالطبع، في جمهورية برلمانية مثل إيطاليا، فإن الأساس في منصب الرئيس لعب الدور البروتوكوليّ كرمز للبلاد، ولكن نظراً إلى أزمة النظام السياسي العقيم في البلاد، ومنذ التسعينيات، أصبح دوره - إيطالياً - أقرب إلى حَكَمٍ في الاشتباكات المتكرّرة بين الأحزاب المتنافسة داخل الطبقة الحاكمة حول قضايا غالبها هامشيّ، وتتعلّق بمصالح المتنفذين.
دراغي حصل من فوره على قبول كونفدرالية كبار الصناعيين الإيطاليين (كونفينداستريا) والاتحاد الأوروبي، الذي أشاد بتصعيد أحد نجومه إلى قصر شيغي (مقرّ إقامة رئيس الوزراء في روما)، فيما صفّقت أسواق الأسهم لتعيينه بارتفاعات ملحوظة، وبانخفاض الفارق بين السندات الألمانية والإيطالية إلى مستويات غير مسبوقة. لكن الأمر لم يقتصر على ذلك، بل إن الإيطاليين أُغرقوا في حملة منسّقة عبر مختلف قنوات الإعلام للتهليل للرئيس المرتقب، وتصويره منقذاً، فيما أطلقت عليه الصحف لقب "سوبر ماريو". وفي حين وصفه ماتيتو رينزي، رئيس الوزراء السابق، بـ"الإيطالي الذي أنقذ أوروبا، وهو الآن الأوروبي الذي يستطيع إنقاذ إيطاليا"، علّق أحد الخبثاء بقوله: "نحن لسنا بعيدين عن أن يقال لنا من قِبَل مذيعي القنوات التلفزيونية إن دراغي قادر على تحويل الماء إلى نبيذ". وردّد الجميع، في ما يشبه الهستيريا، الحاجة إلى حكومة "تكنوقراط" من "الخبراء ذوي الكفاءة" - أي متخرّجي المدارس الخاصة وجامعات النخبة - بوصفهم الأقدر على الحكم.

يبدو واضحاً أن تدخُّل الدولة خلال عهد دراجي سيكون مُوجَّهاً لصالح الطبقة البورجوازية الحاكمة


وفي مواجهة هذا الضغط الهائل من الطبقة الحاكمة وأذرعها الإعلاميّة، وكذلك قادة نقابات العمّال الذين روّج بعضهم أن حكومة دراغي ستُمثّل نقطة تحوّل إيجابية لمنسوبي نقاباتهم، اصطفّت الأحزاب الواحد تلو الآخر وراء السيّد "سوبر ماريو"، وابتلع بعضها عداءه المعلن للمؤسّسات (خمس نجوم) أو دعواته إلى استعادة السيادة من بروكسل (حزب الرابطة)، فيما وجد الآخرون أن من الأفضل الالتحاق بحفل الجنون هذا بدلاً من البقاء على الهامش والمخاطرة باحتمال تراجع شعبيته، وربّما استغلال الموقف لتسجيل نقطة عند جمهوره بتقديم نوابه التنازلات "من أجل صالح الأمّة الإيطالية"، بما في ذلك أحزاب أشباه اليسار التي انضمّت إلى الجوقة. وبالفعل، عَيَّن ماتاريلا، دراغي، رئيساً للوزراء رسمياً فى مراسم أقيمت السبت الماضي في قصر الرئاسة، حيث أدّى الأخير اليمين الدستورية ليصبح بذلك رئيس الحكومة الـ67، ورئيس الوزراء الـ30 منذ قيام الجمهورية (1946). وهو ألّف - بعد أن حصل على تأييد كلّ الأحزاب الإيطالية الكبيرة - حكومة مختلطة من 25 وزيراً، منهم 10 تكنوقراط و15 سياسيين من ممثّلي الأحزاب. وسيتولّى دانييلى فرانكو المدير العام لبنك إيطاليا المركزي منصب وزير الاقتصاد، فيما عُيّن فيتوريو كولا الرئيس التنفيذى السابق لشركة "فودافون" وزيراً للتكنولوجيا، ومارتا كارتابيا الرئيسة السابقة للمحكمة الدستورية وزيرة للعدل. أمّا وزارات الخارجية والداخلية والصحّة فستبقى بأيدي وزراء الحكومة السابقة أنفسهم. وستَتمثّل حركة "خمس نجوم" بأربعة وزراء، في حين يعود حزب "فورزا إيطاليا" اليميني الذي يتزعّمه رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني إلى الحكومة للمرّة الأولى منذ عام 2012 بثلاثة وزراء. وسيكون لكلّ من "الحزب الديموقراطي" - يسار الوسط -، و"الرابطة" - يمين - الذي يتزعّمه ماتيو سالفيني ثلاثة وزراء، وسيذهب الاثنان الباقيان إلى "إيطاليا فيفا" - حزب ماتيتو رينزي -، و"حزب الحرية والمساواة" - يسار الوسط -. وسوف تُعرض الحكومة على البرلمان هذا الأسبوع للحصول على ثقته، المحسومة من الآن.
وتقوم فلسفة دراغي السياسية، كما حدّدها في عدّة مقالات وخطابات، على فكرة زيادة الإنفاق العام بدلاً من التقشّف، لكنه يرى أن ذلك الإنفاق لا ينبغي أن يُوجَّه للجميع، بل لدعم الشركات العالية الإنتاجية حصراً لأغراض تحسين قدرتها التنافسية وفق مشورة البنوك وخبراء القطاع الخاص. كما يعتقد أن الحوافز الحكومية يجب أن تنفَق "على خلق فرص عمل جديدة، وليس لإنقاذ الوظائف القديمة"، مع تنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة تشمل تخفيض مستوى الرعاية الاجتماعية، وقوننة المرونة الكاملة لعقود العمل، وتمديد سنوات العمل قبل التقاعد، وحصول المتبطّلين على إعانات مؤقتة فقط.
ولذلك، يبدو واضحاً أن تدخُّل الدولة خلال عهد دراغي سيكون مُوجَّهاً لصالح الطبقة البورجوازية الحاكمة، فيما ستنتهي مليارات الصندوق الأوروبي في جيوب عدد قليل من الشركات الكبرى ذات الارتباطات المعولمة. ووراء شرَك "التكنوقراط" و"وزراء الكفاءة" ولافتة "الوحدة الوطنية"، سيتمّ سحق الطبقة العاملة والجزء الأضعف من المجتمع والأكثرية المفتقدة بشدّة للتمثيل السياسي، والأقلّ قدرة على المقاومة في ظلّ غياب حزب ثوري يقود نضالها، وهو أمر مثير للأسف في الوقت الذي تمرّ فيه الذكرى المئوية لتأسيس أنطونيو غرامشي "الحزب الشيوعي الإيطالي"، الذي قاد أشهر حركات عمّالية في التاريخ الحديث.