دخلت العلاقات الروسية ـــ الأوروبية مرحلة الحرب المفتوحة، على رغم المحاولة التي بذلها وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، لـ"تلطيف" الأجواء بين الجانبين خلال زيارته لموسكو الأسبوع الماضي. وهي زيارة لم تُثمر تنازلات من الجانب الروسي، خصوصاً لناحية قضيّة المعارض ألكسي نافالني، ليعود الأوروبيون إلى التلويح بالعقوبات ضدّ الروس، في مسعىً منهم إلى زيادة الضغوط على هذا البلد.

آخر مظاهر هذا الضغط كان الاستثمار في قضية تسميم ومِن ثم اعتقال نافالني، عبر اتهام بروكسل للكرملين برفض التحقيق في هذه القضية، والمطالبة بالإفراج عن المعارض، والتهديد مراراً بعصا العقوبات. نجمت عن ذلك أزمة دبلوماسية في الأيام الأخيرة، حيث تبادلت روسيا وثلاث دول أوروبية، هي ألمانيا وبولندا والسويد، طرد دبلوماسيين، بعد اتهام الكرملين لدبلوماسيين أوروبيين بالمشاركة في احتجاجات الشهر الماضي. زخّمت هذه الأحداث المتتالية الغضبة الأوروبية ضد موسكو، وهو ما عبرّ عنه بوريل أول من أمس، حين أعلن أنه "سيقترح على قادة التكتُّل فرض عقوبات جديدة على موسكو"، بعدما رفضت الأخيرة "محاولاته الساعية إلى التعاون" أثناء زيارته الأخيرة. وخلال الجلسة العامة التي عقدها البرلمان الأوروبي، قال المسؤول إن "موسكو تسير على طريق السلطوية، وتظهر بلا رحمة في قضية نافالني"، موضحاً أن لزيارته تلك هدفاً مزدوجاً: عرض موقف التكتُّل في شأن قضية نافالني، واستكشاف إذا ما كانت السلطات الروسية تريد قلب التوجّه السلبي في العلاقة الأوروبية ـــ الروسية. وتابع بالقول: "الجواب كان لا... الروس غير مهتمّين إذا ما واصلنا التمسّك بالدفاع عن حقوق الإنسان. إذاً، لا يمكننا أن نسكت". كذلك، اعتبر أنه سيكون من الجيّد الإعداد لعقوبات، قائلاً في هذا الصدد: "سأستخدم حقّي في المبادرة، وسأقدّم مقترحات من شأنها أن تجمع بين الإجراءات لمكافحة المعلومات المضلّلة والهجمات الإلكترونية". ومن المتوقّع أن يُقدّم هذا الأخير اقتراحاته إلى وزراء خارجية دول الاتحاد خلال اجتماعهم الذي سيُعقد في الـ 22 من الشهر الحالي.

سيقترح وزير خارجية الاتحاد الأوروبي على قادة التكتُّل فرض عقوبات جديدة على روسيا


وكما بوريل، لم يفوّت رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، الفرصة للتنديد أيضاً بـ"السلوك العدائي"، المتمثّل في طرد روسيا الدبلوماسيين الأوروبيين أثناء زيارة وزير خارجية التكتُّل للعاصمة الروسية، مؤكداً أن "الاتحاد لن يسمح للروس بترهيبه". وخلال لقاء جمعه إلى رئيس الوزراء الأوكراني في بروكسل، أعلن ميشال رغبته في التوجه إلى أوكرانيا وجورجيا في آذار/ مارس المقبل، لإبداء دعم الاتحاد لهذين البلدَين اللذين يتّهمان موسكو بانتهاك وحدة أراضيهما. الأمر نفسه بالنسبة إلى الأمين العام لحلف "شمال الأطلسي"، ينس ستولتنبرغ، الذي كرّر إدانته اعتقال نافالني، معتبراً أن ذلك بمثابة "انحراف للقضاء، لأنه يستهدف ضحية محاولة قتل، فيما المعتدون لا يزالون أحراراً".
وليس بعيداً من أوروبا، أعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، أن بلاده تستعدّ لاتخاذ "الإجراءات اللازمة" في شأن قضية نافالني. وفي تصريحٍ إلى شبكة "سي إن إن" الأميركية، أول من أمس، أضاف أن واشنطن "تجري مشاورات وتعمل بشكل وثيق مع الدول الأخرى التي تشعر بالقلق إزاء ما حدث لنافالني، وجميع من سعوا إلى الدفاع عن حقوقهم"، في إشارة إلى المشاركين في الاحتجاجات الأخيرة في روسيا. وتعليقاً على التسميم المزعوم للمعارض الروسي، قال بلينكن إن هذا "يعتبر انتهاكاً لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، وغيرها من التزامات روسيا، وهذا انتهاك لعقوبات الكونغرس".
في المقابل، ورداً على التصريحات الغربية، أعلنت الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن الغرب "يحاول التأثير على العمليات السياسية الداخلية، بما في ذلك التعبئة لفرض عقوبات"، متهمةً "إدارات شركات تكنولوجيا المعلومات الغربية بالترويج لمحتوى تحريضي كي يقوم المواطنون الروس بارتكاب أنشطة مخالفة للقانون". ولفتت زاخاروفا، في حديثٍ أمس، إلى أن بلادها تشهد "هجوماً معلوماتياً منسّقاً بعناية على الجمهور الروسي باستخدام جميع الأدوات، ونشر الفيديوات بدعم سياسي مباشر من السلطات الغربية". بدوره، اتهم الكرملين مقرّبين من نافالني بـ"الخيانة"، لأنهم ناقشوا فرض عقوبات على روسيا مع ممثلين عن دول الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، اعتبر الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أن من المناسب سنّ تشريعات تعتبر الدعوات إلى فرض عقوبات على روسيا، "أعمالاً إجرامية". وهو ما أكّده رئيس الدوما فياتشيسلاف فولودين، إذ قال إن "مشروع قانون في هذا الصدد يجري إعداده".