سيخوض أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي تجربة غير مسبوقة، عندما يجتمعون لاتّخاذ قرار في شأن عزل رئيسٍ لم يعد في منصبه، ولا يزال يشكّل مركز ثقل في حزبه، ولو من دون السلطة التي كان يمنحه إيّاها البيت الأبيض. وتتركّز الإجراءات، التي تبدأ اليوم، على الفوضى التي شهدها السادس من كانون الثاني/ يناير، عندما اقتحم مئات من أنصار الرئيس السابق، دونالد ترامب، مقرّ الكونغرس واصطدموا مع الشرطة، محاولين منع انعقاد جلسة رسمية للمصادقة على فوز جو بايدن في الانتخابات. ووُصف التحرّك، الذي يعتبره نوّاب ديموقراطيون «محاولة انقلاب على أيدي إرهابيين من الداخل»، بأنه أخطر هجوم على الديموقراطية الأميركية، منذ الحرب الأهلية في ستينيات القرن التاسع عشر. وفي 13 كانون الثاني/يناير، وجّه مجلس النواب تهمة «التحريض على التمرّد» إلى ترامب، ليكون الأخير الرئيس الأميركي الوحيد الذي يُعزل مرّتين، في حين لم يسبق أن أُدين أيّ رئيس أميركي من قبل، خلال محاكمة لعزله.

ويسعى الديموقراطيون، عبر المحاكمة، إلى منع ترامب من تولّي أيّ منصب فدرالي في المستقبل، في حال توصّلوا إلى إدانة في مجلس الشيوخ، وهو أمر غير مرجّح. لكنّ الملياردير الجمهوري وحلفاءه يشدّدون على أنّ المحاكمة في ذاتها غير دستورية، إذ بإمكان مجلس الشيوخ إدانة رئيسٍ في منصبه وإقالته، لكن لا يمكنه القيام بذلك تجاه مواطن عادي. وفي هذا الإطار، نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر قوله إن المحاكمة ستبدأ بمناقشة في شأن إذا ما كانت الإجراءات غير دستورية. ويمكن أن تمكّن هذه المقاربة فريق الدفاع عنه وأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين من تجنّب الدفاع عن التغريدات والانتقادات اللاذعة الصادرة عن ترامب قبيل أعمال العنف. ومن هذا المنطلق، طلب محاموه، أمس، من مجلس الشيوخ العدول فوراً عن محاكمته، معتبرين إيّاها انتهاكاً للدستور و»مسرحية سياسية تشكّل خطراً على الديموقراطية». وكتب المحاميان، ديفيد شون وبروس كاستور، في مرافعة من 78 صفحة سُلّمت إلى مجلس الشيوخ عشية بدء المحاكمة، أن «اللائحة الاتهامية التي تبنّاها مجلس النواب غير دستورية في جوانب عديدة، ويكفي كلّ من هذه الجوانب وحده لاعتبارها فوراً لاغية وفي غير محلّها».
إلّا أنّ رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، التي شكّلت فريقاً من تسعة ديموقراطيين لإدارة إجراءات العزل وتوجيه التهم لترامب، أصرّت على ضرورة إجراء المحاكمة، معتبرة أن الفشل في إدانته سيضرّ بالديموقراطية الأميركية. وقالت للصحافيين، الخميس: «سنرى إذا ما كان مجلس الشيوخ مجلس شجاعة أو جبن». وتحتاج إدانة ترامب إلى أصوات أكثر من ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، ما يعني أنه سيتعيّن على 17 جمهورياً الانشقاق عن صفوف باقي أعضاء الحزب والانضمام إلى جميع الديموقراطيين البالغ عددهم 50 سناتوراً، في سيناريو يبدو شبه مستحيل في الوقت الراهن.

في حين لا يزال ترامب يتمتّع بتأييد قوي فقد يكون الهجوم قد خفّض شعبيته


في كلّ الأحوال، يمكن أن يخسر قطب العقارات السابق الكثير من جرّاء المحاكمة. وفي حين لا يزال ترامب يتمتّع بتأييد قوي في صفوف قاعدته الانتخابية، فقد يكون الهجوم خفّض شعبيته، وهو أمر لا يصبّ في مصلحة الرئيس السابق البالغ 74 عاماً، والذي تروقه فكرة الترشّح مجدداً للرئاسة في عام 2024. وعلى هذا الصعيد، أظهر استطلاع جديد أجراه مركز «إيبسوس»، بالتعاون مع شبكة «ايه.بي.سي» الإخبارية، أن التأييد الشعبي لإدانة ترامب أقوى هذه المرة ممّا كان عليه خلال محاكمته الأولى. وخلص الاستطلاع إلى تأييد 56 في المئة من الأميركيين إدانته مقابل معارضة 43 في المئة. ولا ينوي الديموقراطيون، الذين يديرون إجراءات عملية العزل، الالتزام بالنظريات القانونية فحسب خلال الجلسة؛ إذ تكشف مذكّرة، تلخّص مرافعاتهم، النبرة التي سيعتمدونها، ذلك أنّهم اتّهموا ترامب بأنه أعدّ لوضع متفجّر، وأشعله ثمّ سعى لتحقيق مكاسب شخصية من الفوضى التي نجمت عن ذلك. أيضاً، أشاروا إلى نيّتهم استخدام العديد من تصريحات ترامب العلنية ضدّه، بما فيها الخطاب الذي أدلى به في السادس من كانون الثاني/ يناير، قبيل الاعتداء أمام حشد من أنصاره قرب البيت الأبيض حيث دعاهم إلى «إظهار قوّتهم». وقال ترامب، حينها: «لن تستعيدوا بلدنا قط إذا كنتم ضعفاء»، داعياً إيّاهم إلى «القتال بشراسة»، لينطلق بعدها حشد من مناصريه باتّجاه مقر الكونغرس.
أمّا محامو الدفاع عنه فركّزوا في بيانهم على نقطتين هما: أن المحاكمة «صورية»، إذ لا يمكن إزاحة ترامب من منصب لم يعد فيه؛ وأن الهدف من خطابه كان التشكيك في نتائج الانتخابات، بينما لا تندرج تصريحاته في السادس من كانون الثاني/ يناير إلّا في إطار حرية التعبير التي يحميها الدستور. وفي حين لم تتّضح بعد معالم المحاكمة، رفض فريق الرئيس السابق دعوة الديموقراطيين له إلى الإدلاء بشهادته. من جهتهم، لا يرغب الجمهوريون، الذين يبدو أنهم منقسمون حيال مستقبل الحزب، في مناقشة مسألة المحاكمة المثيرة للجدل طويلاً. وفي أحدث مؤشر إلى الانقسام، أدان فرع ولاية وايومينغ في الحزب الجمهوري، السبت، النائبة ليز تشيني، التي تعدّ ثالثة أرفع شخصية حزبية في مجلس النواب، بسبب تأييدها عزل ترامب، وطالب باستقالتها. ويفضّل العديد من الديموقراطيين طيّ الصفحة سريعاً لإفساح المجال أمام الكونغرس لإقرار مقترحات لبايدن تحظى بأولوية، على غرار خطة إنقاذ اقتصادي ضخمة لمواجهة تداعيات «كوفيد - 19».
(رويترز، أ ف ب)