أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووزير خارجيته جان إيف لودريان، حول شروط العودة إلى المفاوضات مع إيران، تساؤلات عديدة في فرنسا عمّا إذا كانت مؤشّراً إلى تغيُّر في لهجة باريس وتقارب مع الجناح اليميني في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، أو مجرّد مبادرة سياسية غير مدروسة هدفها تأمين الشروط المناسبة لحوار إقليمي؟

دعا لودريان، في مقابلة مع صحيفة «لو جورنال دو ديمانش»، إلى «حوار شاقّ» جديد مع إيران حول برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي. وكان ماكرون أكد، من جهته، في أواخر كانون الثاني/ يناير الماضي، أن المفاوضات مع إيران ستكون «صارمة جدّاً»، وأنها ينبغي أن تتمّ «بمشاركة السعودية». يتناقض هذا الإصرار الفرنسي على التشدّد في عملية التفاوض وتوسيع إطارها، مع المواقف التي عَبّر عنها ماكرون في 2019. ففي الفترة التي احتدم فيها التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايدت الخشية من الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، لعبت فرنسا دور الوسيط لمحاولة إنقاذ الاتفاق النووي.
تييري كوفيل، الباحث في «مركز العلاقات الدولية والاستراتيجية»، والمتخصّص في الشؤون الإيرانية، يعتقد أن التصريحات الفرنسية المتصلّبة لا تعكس تغييراً جوهرياً في الموقف تجاه هذا الملف. «نحن في مرحلة انتقالية يسعى فيها كلّ طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي. لا يوجد أيّ تغيير في الموقف الفرنسي الرسمي الداعم لاتفاق 2015. والتصريحات المشار إليها ليست جديدة. فقد تمّ التعبير عنها قبل القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق. عندما التقى ماكرون ترامب في 2018، أعلن أن المطلوب هو اتفاق أشمل يتضمن عدّة مرتكزات، بينها البرنامج الصاروخي ودور طهران الإقليمي. وقد تَقدّم الفرنسيون والأوروبيون بمثل هذا الاقتراح خلال التفاوض على الاتفاق النووي. هذا الأمر لم يمنعهم فيما بعد من تأييده، على الأقلّ في موقفهم المعلن»، وفقاً لكوفيل. لكن التصريحات الحالية هي، برأيه، نتاج لتصوّر غير واقعي حول كيفية التقدّم مع إيران في المسار التفاوضي والمراحل المختلفة التي قد تتخلّله. «الجميع موافق على ضرورة الحوار بين إيران والسعودية. لكن المشكلة هي في كيفية الوصول إلى ذلك. طرح موقف متشدّد من إيران، والمطالبة في الآن نفسه بإشراك السعودية في المفاوضات، لن يسمحا بالمضيّ قُدُماً. نحن في لحظة مفصلية. رغبة بايدن في العودة إلى الاتفاق أمر جيّد، لكن العملية ستكون معقّدة وصعبة. على الأوروبيين التركيز على السبيل الأنجع لإنقاذ الاتفاق بدلاً من إطلاق مواقف متطرّفة. الولايات المتحدة هي التي لم تحترم القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن، ومن الطبيعي أن تطالِب طهران بعودة واشنطن أولاً إلى الاتفاق، وبأن تَرفع العقوبات التي فرضتها، قبل التفاوض في إطار الخطة المشتركة الشاملة. لحسن الحظ، هناك الكثير من الدبلوماسيين الأوروبيين الذين يعون ذلك، ويعملون ضمن هذا التوجّه».
بيير كونيسا، أحد كبار الموظفين في وزارة الدفاع الفرنسية سابقاً، يرفض، من جهته، فرضية التطابق بين مواقف الدبلوماسية الفرنسية وتلك الخاصة بالجناح اليميني في إدارة بايدن. هي تندرج، بنظره، في إطار ما يُسمّيه التقليد الديغولي - الميتراني، الذي ما زال مؤثراً في وزارة الخارجية، والمتمسّك بقدرة باريس على جمع أطراف متنازعين حول طاولة تفاوض. «لا أظن أن الهمّ الرئيس للخارجية الفرنسية هو معرفة رأي الأميركيين بالأوضاع الراهنة. الفرنسيون عانوا كثيراً خلال رئاسة ترامب. هناك فكرة متداولة في أوساطها عن فرصة سانحة يجب اغتنامها بعد تغيير الإدارة في الولايات المتحدة. لكن هل يمتلك الفرنسيون القدرة على اعتماد مثل هذه السياسة؟ لست مقتنعاً بذلك». المصالح التجارية بين باريس والرياض لا تُفسّر، بالنسبة إلى كونيسا، التموضع الفرنسي؛ فالعمل على تخفيض التوتر في منطقة تَعبُر منها أهمّ صادرات النفط لا يرتبط أولاً بالسعي إلى توقيع عقود ضخمة مع أيّ طرف. «لا تخضع عملية صناعة القرار الدبلوماسي أولاً لحساب الأرباح التي يمكن جنيها من عقود تجارية. المبادرة إلى اقتراح مفاوضات في إطار إقليمي بين جميع دول الخليج الفارسي ليست سابقة استثنائية. ومثل هذه المبادرات لا تواجَه عادة باعتراضات صاخبة»، يختم كونيسا.