تبدو إدارة الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، عازمةً على البقاء في أفغانستان لفترةٍ أطول مِن تلك المحدّدة في الاتفاق الذي وقّعته «طالبان» مع الإدارة السابقة، خشية أن يُقرأ انسحابها المبكر كـ«انتصار» للحركة. وعلى رغم عدم بلورتها استراتيجية واضحة إزاء حربها المتواصلة، منذ عام 2001، في هذا البلد، إلّا أن «التوصيات» الكثيرة لهذه الإدارة مِن جانب الحلفاء في «الأطلسي»، أو حتى الكونغرس، كلّها تصبّ في سياق إرجاء الانسحاب المُقرّر في أيار/ مايو المقبل. توصياتٌ يبرز من بينها خصوصاً، تقريرٌ نشرته «مجموعة دراسة أفغانستان»، بتكليفٍ من الكونغرس، يدعو البيت الأبيض إلى التخلّي عن هدف إنهاء أطول الحروب الأميركية، والركون بدلاً من ذلك إلى ضمان «اتفاق سلام مقبول» بين حركة «طالبان» وحكومة كابول.

وفي ظلّ سعي الرئيس السابق، دونالد ترامب، إلى إنهاء الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان، طلب الكونغرس، في نهاية عام 2019، من «مجموعة دراسة أفغانستان» المؤلّفة من 15 عضواً من الحزبَين الجمهوري والديموقراطي، ويرأسها إضافة إلى رئيس الأركان السابق الجنرال جوزف دانفورد، السناتورة الجمهورية السابقة كيلي أيوتي، والمسؤولة السابقة في «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» نانسي ليندبورغ، إجراء الدراسة. دراسةٌ رجّحت أن يؤدّي انسحاب عسكري وصفته بـ«غير المسؤول»، إلى حرب أهلية جديدة في أفغانستان، وأن «يقود إلى إعادة تشكُّل جماعات إرهابية مناهضة للولايات المتحدة يمكن أن تهدّد وطننا»، فضلاً عن أنه سيمنح «طالبان»، سرديّة «نصر على أقوى دولة في العالم». يبيّن تقرير الكونغرس بما لا يدعُ مجالاً للشكّ، أن المساس بهيبة أميركا ومكانتها، يشكِّلان الأساس لقلق معدّيه، لا سيّما لدى إشارتهم إلى أن دعم مفاوضات السلام، يعطي الولايات المتحدة «فرصةً لتكريم التضحيات الأميركية وتأمين المصالح الأميركية الأساسية، والإظهار لأعداء هذه الأمّة أنهم لا يستطيعون الانتصار». إزاء ذلك، تصبح أولويّة الإدارة تشجيع التوصّل إلى اتفاق سلام بين «طالبان» وحكومة كابول، لتجنُّب منح نصر سهل للحركة. فالقوات الأميركية، تقول الدراسة، تواجه مخاطر أقلّ، لذا يمكنها أن تحافظ على وجود في أفغانستان بهدف الضغط للتوصل إلى اتفاق سلام، في ظلّ معايير انسحاب «سيكون من الصعب، وربّما من المستحيل، أن تتحقّق بحلول أيار/ مايو 2021». وتخلص إلى القول إن «تحقيق الهدف الأكبر، وهو السلام المستقرّ عبر التفاوض الذي يخدم المصالح الأميركية، يجب أن يبدأ بتأمين تمديد للموعد النهائي لشهر أيار/ مايو». في ردّها على التقرير، تؤكّد وزارة الخارجية الأميركية أن الإدارة لم تتّخذ بعد أيّ قرارات في شأن حجم القوّات في أفغانستان، في انتظار الانتهاء من مراجعة «اتفاق الدوحة» (شباط/ فبراير 2020) وملحقاته التي لم تُكشف للعموم.

سيحدّد اجتماع «الأطلسي» في الـ17 من الشهر الجاري مصير مهمّة «الناتو» في أفغانستان


تتّسق هذه الخلاصة مع رغبة جو بايدن في إبقاء قوّة صغيرة لـ«مكافحة الإرهاب» في أفغانستان، وفي ضرورة التنسيق مع الحلفاء قبل الإقدام على خطوةٍ من هذا الوزن. لكن الحلفاء لا يبدون على عجلةٍ من أمرهم، على رغم إقرارهم بصعوبة المهمّة؛ فها هو الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي»، ينس ستولتنبرغ، يقول إن على أعضاء «الناتو» أن يقرّروا «معاً» مستقبل مهمّتهم، مع تأكيده أنه «إذا قرّرنا الرحيل، فإنّنا نجازف بتعريض عملية السلام للخطر ونخاطر بفقدان المكاسب التي حقّقناها في الحرب ضدّ الإرهاب الدولي على مدى السنوات الماضية». أمّا «إذا قرّرنا البقاء، فإننا نخاطر بالاستمرار في عملية عسكرية صعبة في أفغانستان، ونخاطر بتزايد العنف ضدّ قوّات الناتو أيضاً». كما يدعو «طالبان» إلى الوفاء بالتزاماتها، «خاصة عندما يتعلّق الأمر بقطع جميع العلاقات مع الإرهابيين الدوليين بما في ذلك (تنظيم) القاعدة، ونحتاج إلى رؤية انخفاض في العنف». وتصبّ الرؤية الألمانية في الاتجاه نفسه، إذ ترفض برلين - كما أعلن وزير خارجيتها، هايكو ماس -، قبل أيّام، انسحاب القوّات الدولية من أفغانستان، قبل إتمام مفاوضات السلام بين «طالبان» والحكومة، والتأكُّد من أن الأولى لن تخرج من المحادثات متى تشاء بحثاً عن حلٍّ عسكري. ويرى ماس أن هناك ضرورة للتخلّي عن «التمسّك المبالغ فيه بموعد نهاية نيسان/ أبريل المقبل للانسحاب»، والانتظار حتى تنتهي عملية التفاوض «بنجاح»، مع إقراره بأنها «متعثّرة».
ولحين انعقاد اجتماع «الأطلسي» على مستوى وزراء دفاع الحلف في الـ17 من الشهر الجاري، لمناقشة مصير مهمّة «الناتو» التي يبلغ قوامها عشرة آلاف فرد عسكري (2500 أميركي) في أفغانستان، لن تتّضح الصورة النهائيّة، وسط ترجيحات باتت كلّها تشير إلى أن البقاء قليلاً بعد، ربّما يحفظ ماء الوجه الأميركي، وفي ظلّ إصرار حلفاء واشنطن على عدم الانصياع لرغبات ترامب في الانسحاب، كونه اتّخذ الخطوة منفرداً من دون الرجوع إليهم أو إلى حكومة كابول. في هذا الوقت، ترفض «طالبان» أيّ مساس بخطّها الأحمر، أي الانسحاب الكامل للقوّات الأجنبية في موعده المتّفق عليه، وعدا ذلك ستضطرّ للعودة إلى «الجهاد».