حدّدت إدارة الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، الاستراتيجية التي تعتزم اتباعها في فنزويلا، وهو ما بيّنته التصريحات المتتابعة للمسؤولين الأميركيين إزاء الدولة اللاتينية؛ ابتداءً من تحديد «الثوابت» المَنْوي تبنّيها، وأبرزها استمرار الاعتراف بزعيم المعارضة، خوان غوايدو، رئيساً انتقالياً لفنزويلا، والإصرار توازياً على استبعاد التفاوض مع حكومة الرئيس نيكولاس مادورو في أيّ وقتٍ قريب. أمّا بالنسبة إلى العقوبات الاقتصادية المفروضة على هذا البلد، فستدخل هي الأخرى ضمن مبدأ «المتحرّكات»، التي ستستثمرها واشنطن لانتزاع تنازلات من كاراكاس، في ظلّ عدم وجود نِيّة لرفع هذه العقوبات التي كان الرئيس الأسبق، باراك أوباما، قد بدأها، وشدّدها دونالد ترامب، فيما يبدو واضحاً توجّه الإدارة الجديدة، وفق المؤشرات الأولية، إلى استخدامها ضمن هامش المناورة. مؤشراتٌ تُرجمت قبل يومين، بقرار وزارة الخزانة فتح الأجواء الأميركية أمام فنزويلا، وبالتالي السماح لها باستخدام الموانئ والمطارات في البلاد.

القرار الأخير، وإن كان يُعدُّ بادرةً «إيجابية» تجاه فنزويلا، إلّا أنه لا يعدو كونه «استثناءً ظاهرياً»؛ إذ لا يَسمح لهذه الدولة بالتعامل مع الشركات والكيانات في مجالات حيوية مثل الطاقة، والتمويل، والغذاء، والتكنولوجيا، والتجارة، الخاضعة كلها للعقوبات الأميركية. وفي هذا السياق، قال باحثون من معهد «صمويل روبنسون» الفنزويلي، إن ترخيص بعض العمليات الصادر عن وزارة الخزانة هو إجراء «سطحيّ ومتعرّج». وفي تحليلٍ للقرار، نُشر أول من أمس على الموقع الإلكتروني للمعهد، أضاف الخبراء إن «القرار يمنع أيّ تعامل مع كيان عام أو خاص مع مؤسسات تابعة للدولة الفنزويلية»، لافتين إلى أن الحكومة في كاراكاس «لم تتوقّف أصلاً عن استخدام هذه البنى التحتية، ضمن استراتيجيّتها للتهرب من الحصار، وذلك بالتحالف مع بعض الشركات والدول الحليفة». وأشار الباحثون إلى أن القرار «لا يغيّر» على أرض الواقع شيئاً لجهة استمرار الحصار الأميركي، مؤكّدين أن واشنطن تريد من خلاله «الخلط بين مثل هذه الإعلانات، والنية الواضحة لإدارة بايدن لإبعاد نفسها عن أساليب الإدارة السابقة». وخلص الباحثون الفنزويليون إلى أنه «لا ينبغي استبعاد احتمال وجود استراتيجية ملتوية من جانب الحكومة الأميركية الجديدة، ما لم يتم تعزيز خطوات واضحة تدلّ على تراجع الضغط على فنزويلا في المستقبل».

إسقاط بروكسل اعترافها بغوايدو رئيساً انتقالياً سيشكّل تحدّياً لسياسة واشنطن في فنزويلا


واعتمد الباحثون في تحليلهم هذا، على قول وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، في جلسة تثبيت تعيينه في الكونغرس، إن بايدن سيَسعى إلى «استهداف أكثر فعاليّة للعقوبات المفروضة على فنزويلا». وهو الأمر الذي عكسه أيضاً تصريح الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس ــــ جاء في اليوم نفسه من إعلان فتح الأجواء البرية والجوية الفنزويلية ــــ حول الاستراتيجية الأميركية في هذا البلد؛ إذ أعلن برايس أن الإدارة الجديدة «ستستمرّ» في الاعتراف بغوايدو رئيساً شرعيّاً للبلاد، و»لن تتفاوض في الوقت المنظور» مع مادورو، «مع الحفاظ على نهج سياسي في الوقت الحالي مشابه لنهج ترامب»، الذي حظي بدعم الأميركيين من أصول فنزويلية في الولايات المتحدة. وحول إمكانية الحوار مستقبلاً، قال الناطق: «(أنا) أتحدّث عن السياسة الحالية... نحن بالتأكيد لا نتوقّع اتصالاً مع مادورو في الوقت الراهن». وختم بالإشارة إلى أن «الهدف الأسمى لإدارة بايدن ــــ هاريس هو دعم انتقال سلمي وديموقراطي في فنزويلا من خلال انتخابات رئاسية وبرلمانية حرّة ونزيهة»، مؤكداً نية الرئيس الأميركي بـ»التعاون أكثر مع عدد من الحلفاء والشركاء لإحراز تقدم نحو الديموقراطية» في هذا البلد.
ويبدو أن البند الأخير الذي تحدّث عنه برايس سيكون التحدي الأبرز للإدارة الجديدة في ما يخصّ خطواتها تجاه كاراكاس، وذلك بعد إسقاط الاتحاد الأوروبي، أخيراً، اعترافه بغوايدو رئيساً انتقالياً، في ظلّ فقدان الأخير منصبه رئيساً للبرلمان جراء الانتخابات التشريعية التي جرت في البلاد أواخر العالم الماضي، واستعاد فيها «الحزب الاشتراكي» السيطرة على البرلمان، آخر معاقل المعارضة. وعلى رغم عدم اعتراف بروكسل بنتائج هذه الانتخابات، إلّا أن وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، كان قد خفّض، في بيان نشره أوائل الشهر الماضي، منصب غوايدو بالنسبة إلى التكتُّل من «رئيسٍ بالوكالة» إلى «أحد الفاعلين السياسيين والمدنيين الذين يسعون جاهدين لإعادة الديموقراطية إلى البلاد».