بين سلوكٍ «مولييري» الطابع يُجسّد الحرص والتوجّس البالغَين إزاء أيّ مساس «بممتلكات» فرنسا ومصالحها في إقليم الساحل، وربّما دورها في حماية أوروبا من التهديدات الإرهابية «المحتملة»؛ ومتغيّرات دولية محتملة عقب وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، مع صياغة سياسته الخارجية رسمياً، وفي قلبها طمأنة حلفاء بلاده إزاء قيمها الديموقراطية، والتغيير المرتقب في برلين بانتقال مستشارية ألمانيا من أنجيلا ميركل إلى حليفها أرمين لاشيت، زعيم حزب «الاتحاد الديموقراطي المسيحي»، خرج الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، منتصف الشهر الماضي، ملمّحاً، في خطاب متناقض، لاحتمالات سحب جزء من قوات بلاده من الإقليم، بعد «نجاحاتها ضدّ المسلحين الإسلامويين». وتساءل ــــ بغرابة شديدة ــــ عن سبب استمرار «الحرب على الإرهاب» سبعة أعوام من دون تحقيق النتائج المرجوة، قبل إعلانه، في الخطاب نفسه، عن ربط استمرار الدعم الفرنسي بمدى نجاعة سياسات حكومات دول الساحل الخمس (مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو وموريتانيا) في تبنّي مقاربة شاملة، وليست عسكرية صرفة، لحلّ مشكلات مجتمعاتها، استباقاً لمخرجات قمة مرتقبة في انجامينا بحضور زعماء الدول الخمس وماكرون.


جهود فرنسا في الساحل: نحو قمة انجامينا
تتراوح مواقف باريس في إقليم الساحل بين خطاب رسمي يلمّح باستمرار إلى أعباء الدور الفرنسي والرسالة المراد إيصالها في الإقليم، ودورها في حماية أمن أوروبا من التهديدات الإرهابية المحتملة؛ وبين خطوات عمليّة ساعية إلى تعزيز حضورها العسكري والسياسي عبر حشد موارد دولية (مالية ولوجستية) خلف استراتيجيتها لتعزيز الاستقرار في الإقليم. وفي هذا السياق، عززت فرنسا، في عام 2020، أعداد قوّاتها العاملة في «عملية برخان» لمواجهة الإرهاب في إقليم الساحل، بإرسال 600 جندي إضافي ليصل مجموعها إلى 6700 يتوزعون في دول إقليم الساحل الخمس، فضلاً عن وصول مزيد من القوات الخاصة من شركاء فرنسا الأوروبيين في الأشهر الأخيرة من العام نفسه. وصرّح ماكرون بأنه سينتظر شهرين بعد قمة منتصف شباط/ فبراير الجاري، المقرّرة بين فرنسا وحكومات إقليم الساحل في العاصمة التشادية انجامينا «لرؤية النتائج المرتقبة من حلفاء فرنسا الإقليميين في محاربة الإرهاب والمساعدة في استعادة النظام في بلادهم». وبحسب ماكرون، فإنْ لم تحقّق حكومات الساحل تقدُّماً في الملف السابق، فإنه سيضطر إلى «تدوير» القوّة الفرنسية، لأنه في ظلّ وجود جماعات إرهابية بعد سبعة أعوام من «الحرب على الإرهاب»، فإن المشكلة لم تعد «أمنية، بل سياسية وإثنية وتنموية». وعلى نقيض سياسات باريس التقليدية، أكّد ماكرون أن بلاده ستركّز، من الآن، على مواجهة «داعش»، وأنها ستترك مهمّة مواجهة صراعات أخرى مع جماعات إرهابية لحكومات الإقليم.
يتعارض تحليل ماكرون مع منطلقات السياسة الفرنسية في الإقليم، حيث برّرت باريس، طوال الأعوام الفائتة، وجودها باعتباره طريقة للمساعدة في منع الهجمات الإرهابية في أوروبا. لكن المراقبين يرَون أن الرئيس الفرنسي يضع عينه على الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2022، وسط تنامي الرفض الشعبي لـ»عملية برخان». كما أنهم شبّهوا الوجود الفرنسي في الساحل بالوجود الأميركي في أفغانستان، مع تحوّل مناطق وسط مالي إلى مركز محوري لأعمال العنف واستغلال الميليشيات الإثنية والجماعات الإرهابية لنقص الوجود الحكومي في أقاليم دول الساحل بشكل لافت. يضاف إلى ذلك، ترقّب باريس لأجندة بايدن في الإقليم، والتي ستنقطع عن مقاربة ترامب «الأمنية» والاستباقية في تصدير الأزمات، وتجنح، على الأرجح، إلى مقاربة شاملة للأزمة ومحاولة تقديم حلول تنموية إلى جانب المقاربة الأمنية.

فرنسا والاستجابة الشعبية
يمكن رصد معارضة شعبية متنامية لدور فرنسا داخلها، كما هي الحال داخل دول الساحل، حيث تزايدت الانتقادات بشكل واضح، التي عانت، في العام الماضي، من سقوط ستة آلاف فرد في حوادث إرهابية وجّه أغلبها للمدارس والمرافق الطبية ودور العبادة. كما شُرّد 1.8 مليون فرد أو أكثر، وارتفع عدد من يعانون من سوء تغذية حادّ جراء الأنشطة الإرهابية وحدها إلى 7.4 ملايين نسمة في الإقليم. كما يمثّل الدعم غير المستمرّ من قِبَل كبار المسؤولين في دول الساحل إشكالاً لفرنسا، الأمر الذي لاحظه مراقبون قبل عام عندما انخرطت الحكومة المالية في مفاوضات مع جماعات إرهابية «دون الرجوع إلى باريس»، وعدُّوه تناقضاً مع روايتها الاستراتيجية لتدخلها العسكري في الإقليم.

بات الوجود الفرنسي في الساحل يشبه الوجود الأميركي في أفغانستان، مع تحوّل مناطق وسط مالي إلى مركز محوري لأعمال العنف


وشهدت دول الإقليم، وسط تنامي الشعور المعادي لفرنسا فيه، تظاهرات شعبية متصاعدة ضدّ ما يعتبره مراقبون محليّون «حملة استعمار جديد»، ولا سيما بعد توجيه القوّات الفرنسية في كانون الثاني/ يناير الماضي ضربة جوية في مالي أدّت إلى مقتل 19 مواطناً خلال حفل زفاف (بينما أكدت فرنسا وحكومة مالي أن الضربة أدّت إلى مقتل 30 إرهابياً)؛ الأمر الذي قاد إلى ذيوع تحليلات مفادها بأن استراتيجية استقرار الساحل التي يقودها الفرنسيون في الإقليم تواجه «إخفاقاً» جرّاء اعتمادها الصريح على الاستجابة العسكرية.
كذلك تواجه «عملية برخان» تراجعاً في القبول الشعبي داخل فرنسا، سواء وسط النخبة السياسية أو على مستوى المواطن العادي. ويتزايد هذا الاتجاه مع ملاحظة أن الهجمات الإرهابية الأخيرة في هذا البلد، لا ترتبط بأيّ جماعة إرهابية ناشطة في إقليم الساحل، ومن ثم يصعب تبرير «الثمن الذي تدفعه باريس» سياسياً. وقد أظهر استطلاع رأي مهمّ أواخر الشهر الماضي، معارضة غالبية الفرنسيين لاستمرار عمليات قواتهم في الساحل، ما يفرض تحدّيات حقيقية على خيارات ماكرون قبل موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية. كما يرجّح طرح مسألة خفض القوات الفرنسية بقوّة على أجندة قمة ماكرون ورؤساء دول الإقليم في تشاد، بحسب ما أكّدت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي.

الدعم الأوروبي لدور فرنسا: قوّة مهام تاكوبا
تحشد فرنسا وشركاؤها الأوروبيون من أجل نجاح «قوة مهام تاكوبا» التابعة للاتحاد الأوروبي؛ ويتمثّل التغيير الرئيسي للقوّة ــــ عسكرياً ــــ في القدرة البشرية والتكنولوجية على القيام بمزيد من العمليات الحركية والتي تستهدف «خلايا إرهابية»، ولا سيما في مالي، بفضل زيادتها قدرات النقل الجوي للقوات المهاجمة. وسيمكّن ذلك فرنسا من إعادة توجيه نطاق «عملية برخان» جغرافياً إلى خارج مالي. كما سيمكّن الانخراط الأوروبي قوات «برخان» من إعادة تخصيص الموارد ونقل المعرفة العسكرية للجيوش الوطنية في المنطقة، وهو بعدٌ رئيسي ظلّ يمثّل أحد أوجه انتقادات أداء فرنسا وعمليتها في المنطقة، مع استمرار اعتماد جيوش مجموعة G5 Sahel على القوّات الفرنسية لضمان أمن أراضيها وحدودها. كما يُتوقع أن تحقق «تاكوبا» مكسباً سياسياً لباريس ووجودها في الإقليم، حيث ستعزّز الأدوار الأوروبية تخفيف عزلة فرنسا في هذه الأزمة على الأقل سياسياً، فيما ستظلّ القوّات الفرنسية تمثّل نصف «قوّة تاكوبا» (300 جندي فرنسي من إجمالي قوة النخبة الأوروبية البالغة 600).
لكن يمكن أن تؤثّر التغيرات المتوقعة في ألمانيا بعد انتقال مستشاريتها من أنجيلا ميركل على موقف برلين من الدور الفرنسي، ولا سيما أنها تعهّدت، في مؤتمر افتراضي للمانحين لدول الساحل (20 تشرين الأول/ أكتوبر 2020) بتقديم دعم إنساني لهذه الدول بقيمة 100 مليون يورو في الفترة بين 2020 و2023، مخصّصة لدعم الخدمات الاجتماعية في الإقليم، وتصب في مصلحة مقاربة شاملة لأزمة الساحل وتشمل التعاون في مجال التنمية إلى جانب مضاعفة عدد الجنود الألمان المساهمين في الإقليم، ليصل إلى 1500 في قوة الأمم المتحدة في مالي (MINUSMA).
وسيحدد أداء «تاكوبا» في العام الحالي ومدى نجاعة «برخان» في مواجهة التحديات المتصاعدة في الإقليم، جدوى التنسيق الفرنسي ــــ الأوروبي، واختبار قدرة دول الساحل على استعادة المبادرة في حلّ مشكلاتها المجتمعية ومعضلة التخلّص من الجذور الاجتماعية للعنف باستخدام القوة، وقدرة فرنسا على مواصلة دورها العسكري والسياسي داخل دول الساحل.

ماذا بعد؟
على نقيض خطاب ماكرون الرسمي، عبّرت وزيرة الدفاع، فلورنس بارلي، خلال اجتماعها مع وزير الدفاع المالي ساديو كمارا في الـ 27 من الشهر الماضي، عقب اجتماع مماثل ومهمّ مع وزير دفاع النيجر إيسوفو كاتامبي، عن التزام بلادها بدعم مالي في الحرب ضدّ الإرهاب، وتقديرها لنجاح القوات المسلحة المالية في صدّ هجمات إرهابية في مدينتي مونورو وبوليكيسي. واتفق الوزيران على بذل مزيد من الجهود لتقوية الجيش المالي، فيما أبرزت بارلي أهمية مستوى التزام المجتمع الدولي، ورحبت بالإجراءات التي اتخذتها السلطات المالية لضمان احترام القوّات المسلحة الصارم للقانون الإنساني الدولي.
وتوحي هذه التناقضات بضغوط فرنسية على حكومات دول إقليم الساحل لتبنّي سياسات أكثر إذعاناً لمقاربة باريس، وتسليم مطلق بسلطتها في تنسيق الجهود الدولية، بما فيها الأميركية، في المنطقة، واستمرار تبنّي باريس لتصوّر الأزمة الدائمة والمستحكمة في الإقليم، على حد تعبير رئيس أركان الجيوش الفرنسية، فرانسوا لوكوانتر، قبل عامين، حين قال: «لن نحقّق نصراً صريحاً في إقليم الساحل»، لتظلّ أزمة الساحل سبباً ونتيجة لاستمرار الدور الفرنسي في قلب القارة الأفريقية، ومن دون تكلفة تذكر لفرنسا ــــ البخيلة للغاية في تمويل أنشطة «مكافحة الإرهاب» في الساحل ــــ مع استمرار الدعم الدولي لهذا الدور على خلفية قصور حكومات دول المنطقة، وترويج موسمي لتبني مقاربات تنموية شاملة لمعالجة أزمات شعوب الإقليم.