السؤال الذي يتقدّم جدول اهتمام الإسرائيليين هذه الأيام، رغم الانشغال بالانتخابات المقبلة للكنيست، يتعلّق بامتناع الرئيس الأميركي جو بايدن عن الاتصال برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ودلالات ذلك، رغم مرور 15 يوماً على دخوله البيت الأبيض.

بالطبع، الاتصال بذاته، امتناعاً أو تأخيراً، لا يعني شيئاً، إلّا أنه إشارة من الإدارة الجديدة، تنضمّ إلى إشارات أخرى، بشأن توجّهاتها وأولوياتها التي يقدّر أن تكون مغايرة للإدارة السابقة، وفي أساسها العودة إلى مستوى العلاقات مع تل أبيب شكلاً ومضموناً، وفقاً لمعادلة التابع (إسرائيل) والمتبوع (أميركا)، مع مراعاة مصلحة التابع لمصلحة المتبوع، وربما إلى حدّه الأقصى، بما لا يضرّ بمصلحة التابع ولا يتناقض معها.
قد يأتي الاتصال اليوم أو غداً، أو يتأخّر أكثر أو أقل، إلّا أنّ أصل التأخير إلى الآن يعدّ شاذّاً ويحمل أكثر من دلالة على «انتفاء الود» بين بايدن ونتنياهو، بما ينعكس سلباً على العلاقات بين الجانبين، وينسحب بشكل أو بآخر على المصالح الإسرائيلية في أكثر من اتجاه.
ولا يخفي الإسرائيليون خشيتهم من دلالات «اللاودّ» على الآتي، في مرحلة تعدّ حساسة جدّاً ولايقينية في أهمّ تحدٍّ أمني يصل في تداعياته وتأثيره إلى أبعاد وجودية، وتحديداً في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، بعد رهان طويل على إمكان «تركيع» إيران بواسطة الإدارة السابقة، التي خرقت معادلات التحالف مع إسرائيل وقواعده، وخالفت سياسات ثابتة جداً في هذه العلاقة، حتى وإن كانت على حساب المصلحة الأميركية.
على ذلك، أوجب اللااتصال على عدد من المعلّقين الإسرائيليين التوقّف طويلاً أمام الدلالات والبحث في معانيه العملية وتأثيره الجدي على إسرائيل ــــ الدولة. فإذا كان هذا الاتصال لا قيمة له إلّا بما يتعلّق بالمعنى والتأثير المعنويين لبعض الدول، بل قد لا يكون ضرورياً ومنتظراً لدى دول أخرى، إلّا أنّ تأخّره في الحالة الإسرائيلية يعدّ دلالة على سلبية مقبلة في العلاقات بين الجانبين، قد لا تقتصر على السلبية الشخصية بين نتنياهو وبايدن.
وللقياس، استغرق جورج بوش الأب ستة أيام بعد تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة ليتّصل بإسحاق شامير؛ واتصل بيل كلينتون بإسحاق رابين بعد أربعة أيام، وهي المدّة نفسها التي انتظرها جورج بوش الابن ليتّصل بإيهود باراك، أما باراك أوباما فانتظر يومين ليتّصل بإيهود أولمرت، وثلاثة أيام ليتّصل دونالد ترامب ببنيامين نتنياهو.
وللتوضيح أكثر، من المفيد التذكير بالآتي:
في القاعدة، تنظر الإدارة الأميركية، مع اختلاف التفاصيل بين إدارة جمهورية وأخرى ديموقراطية، إلى المصلحة الإسرائيلية من منظور أوسع وأشمل للمصالح الأميركية نفسها، يعني أنّ الرئيس الأميركي يعمل على تطويع المصالح الإسرائيلية بما ينسجم مع المصالح الأميركية. وهذا ما يقدر أن يقدم عليه بايدن، في تناقض لسياسات سلفه دونالد ترامب، الذي وضع أولوية مصالح إسرائيل، وأيضاً أولوية مصالح زعمائها، بوصفها العامل الذي يحرّك قراراته وأفعالها.
وفي عودة إلى دلالات اللااتصال، يشار إلى أنّه يأتي لينضمّ إلى جملة أفعال ولا أفعال أميركية صدرت عن الإدارة الجديدة، تؤكد ما كان مقدّراً في إسرائيل وهو اختلاف مقاربة الإدارة الجديدة عن سابقتها، والعودة إلى المعادلة الأساسية التي تحكم العلاقات بين الجانبين: مراعاة المصالح الإسرائيلية في سياق تحقيق المصالح الأميركية.

لا يخفي الإسرائيليون خشيتهم من دلالات «اللاودّ» في مرحلة تعدّ حساسة جدّاً


لا يعني ذلك أبداً، أنّ إدارة بايدن ستضرّ بأمن إسرائيل ومصالحها، وهي لن تتراجع بطبيعة الحال عن معظم أفعال وقرارات الإدارة السابقة التي ثبت أنّها لن تضرّ المصلحة الأميركية، بل ستبني عليها لتزيد منها. إلّا أنّ الفرق يتعلّق بأفعال وقرارات تؤثّر سلباً على مصالح أميركا من منظور أشمل وعلى مديات طويلة، يتوقّع للإدارة الجديدة أن تراعيها. وفي المقدمة مقاربة الإدارة للملف النووي الإيراني، الذي لا تخفي تل أبيب الرسمية وغير الرسمية خشيتها منها.
إلى ذلك، بحث الإعلام العبري في الدلالات والآتي من قرارات وأفعال أميركا التي يقدّر أنها ستكون مغايرة عما اعتادت إسرائيل أن «تتنعّم» به خلال السنوات الأربع الماضية. ووفقاً لصحيفة «زمان إسرائيل»، تكمن أهمية هذه المكالمة في إجرائها، وما يقال فيها أقل أهمية. سرعة مبادرة الرئيس (الأميركي) الجديد إلى رفع سماعة الهاتف والاتصال تشكّل في الأعراف الدبلوماسية إشارات ورسائل بشأن (وجهة) العلاقات المهمّة للولايات المتحدة، والمواضيع المركزية التي ستعمل عليها الإدارة. ولذلك «نشف دم نتنياهو»، فحتى لو أتت المكالمة في نهاية المطاف، إلّا أنّها ستكون إشارة مهمّة إلى أنّ بايدن لا يرى في نتنياهو (على الأقل) حليفاً مهماً.
وتثير الصحيفة واحداً من أهم عوامل القلق لدى الخبراء الإسرائيليين، ممّا كان محلّاً للتحذير في السنوات الماضية وتأثيره السلبي على المصالح الإسرائيلية والعلاقات مع الولايات المتحدة، إذ «راهن نتنياهو على الجمهوريين وعلى ترامب بصورة غير مسبوقة، وتدخّل في السياسة الداخلية للولايات المتحدة، بطريقة لم يفعلها قبله أي رئيس حكومة إسرائيلي. راهن وحظي بأربع سنوات من التنسيق الكامل مع إدارة ترامب. لكن كما حذّرنا طوال الطريق، هذه المراهنة لها ثمن. ومن شأنها الإضرار بأحد أكبر أصول دولة إسرائيل ــــ أي أن يدعمها الحزبان (الجمهوري والديموقراطي) في الولايات المتحدة».
وبسبب نتنياهو، يضيف التقرير، إنّه «بدل أن يتنافس الحزبان في ما بينهما من يحب إسرائيل أكثر، باتت إسرائيل محسوبة على الحزب الجمهوري. للعار، في هجوم أنصار ترامب على تلّة الكابيتول (الكونغرس)، إلى جانب أعلام ورموز النازية الجديدة، رفرف بفخرٍ أيضاً علم إسرائيل. وكمقامر لا يعرف متى يتوقّف، واصل نتنياهو المراهنة على الجمهوريين إلى اللحظة الأخيرة».



اتّصال متوقّع الأسبوع المقبل
قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، إنها تتوقع أن يهاتف الرئيس الأميركي جو بايدن، رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في الأسابيع المقبلة. رغم أنّ بايدن اتصل بأكثر من رئيس أجنبي في الأيام القليلة الماضية، من دون أن يكون نتنياهو واحداً منهم.
ولدى سؤال ساكي أمس عن أنّ من «المستغرب» امتناع بايدن عن الاتصال بنتنياهو رغم كونه «حليفاً»، قالت: «لا أعرف ما إذا كانت مفاجأة، فهو لم يتصل بكل زعيم أجنبي حتى الآن. إنه بالتأكيد يودّ قضاء المزيد من الوقت في التحدث إلى القادة الأجانب. فكما تعلمون حبّه الأول هو السياسة الخارجية، لكنني أتوقع أنه سيستمر في الانخراط في ارتباطات إضافية، في الأسابيع المقبلة».
(الأخبار)