لم يكن الانقلاب الذي قاده الجيش النافذ في ميانمار، فجر يوم أمس، مفاجئاً؛ فهو مهّد لخطوته هذه، يومَ سوّق لروايته عن "تزوير" واسع النطاق شاب العمليّة الانتخابية في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. وعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية، بدا أن المؤسّسة العسكرية تتحيّن الفرصة لاستعادة السيطرة الكاملة على الحُكم، حتّى إن زعيمة الحزب الحاكم ورئيسة الحكومة، أونغ سان سو تشي، التي اعتُقلت إلى جانب عددٍ من المسؤولين الآخرين، أعدَّت بياناً مسبقاً للمناسبة، تدعو فيه الشعب إلى رفض الانقلاب. انقلابٌ جرى من دون إراقة دماء، إذ اكتفى الجيش بقطع الطرق ونشر الجنود بعتادهم حول البرلمان في العاصمة نايبيداو، فأعلن حال الطوارئ لمدّة سنة، وعيّن جنرالات في المناصب الرئيسة. وفي يانغون، عاصمة البلاد الاقتصادية، سيطر العسكر بصورة خاصّة على مقرّ البلدية، وقطعوا الطرق المؤدية إلى المطار الدولي، وبقيت الاتصالات معطّلة فيما المصارف مغلقة حتى إشعار آخر.

خرجت ميانمار، منذ عشر سنوات، من نظام عسكري استمرّ نحو نصف قرن؛ وسعياً منه إلى تبرير هذا الانقلاب الجديد الذي سارعت عدّة عواصم أجنبيّة إلى إدانته، ندّد الجيش بـ"مخالفات هائلة" تخلّلت الانتخابات التشريعيّة الأخيرة، فيما تصاعدت المخاوف يومَ أعلن قائد الجيش، الجنرال مين أونغ هلينغ، الشخصيّة الأكثر نفوذاً في ميانمار، أنّه يمكن "إبطال" الدستور في ظلّ ظروف معيّنة. انتخاباتٌ حقّقت فيها "الرابطة الوطنية من أجل الديموقراطية"، حزب أونغ سان سو تشي الحاكم منذ انتخابات 2015، فوزاً ساحقاً، بحصولها على 83% من مقاعد البرلمان البالغ عددها 476، إلّا أن الجيش يؤكّد أنه اكتشف أكثر من عشرة ملايين حالة تزوير، وطلب من اللجنة الانتخابية نشر اللوائح للتحقُّق منها، الأمر الذي لم تفعله اللجنة. وفي وقت مبكر من صباح أمس، اعتُقلت سو تشي (75 عاماً) الحائزة جائزة "نوبل" للسلام، ورئيس الجمهورية وين ميينت، ومسؤولون آخرون، بحسب الناطق باسم الحزب الذي أشار إلى أنهم محتجزون في العاصمة نايبيداو. وفيما سرت شائعات في الأيام الماضية عن احتمال حدوث انقلاب، تركت سو تشي رسالة إلى الشعب نشرها رئيس حزبها على مواقع التواصل الاجتماعي، تحضّ فيها على "عدم قبول" الانقلاب. وكتبت أن الجيش يحاول "إغراق البلاد من جديد في ديكتاتورية عسكرية"، مطالبةً الشعب "بالردّ بصوت واحد". وتواجه زعيمة ميانمار انتقادات شديدة دوليّاً تأخذ عليها كيفية إدارتها لأزمة المسلمين الروهينغا الذين فرّ مئات الآلاف منهم في عام 2017 هرباً من تجاوزات الجيش، ولجأوا إلى بنغلادش المجاورة. لكنّها لا تزال تتمتّع بشعبية كبيرة في بلادها.

أعلن الجيش أنه نفّذ اعتقالات رداً على «تزوير الانتخابات» وسلّم السلطة لقائده


وجرى الانقلاب، وهو الثالث منذ استقلال البلاد في عام 1948 - بعد آخرين حصلا في عامي 1962 و1988 -، في وقت كان مُقرّراً أن يعقد مجلس النوّاب المنبثق من الانتخابات التشريعيّة الأخيرة، أولى جلساته. وفي بيان أذاعته محطة تلفزيونية تابعة له، أعلن الجيش أنه نفذ اعتقالات رداً على "تزوير الانتخابات"، وسلّم السلطة لقائده هلينغ، وفرض حال الطوارئ لمدّة عام. ووعد، في بيانه، بتنظيم انتخابات "حرّة وعادلة" فور رفع حال الطوارئ، متعهّداً بممارسة "نظام ديموقراطي متعدّد الأحزاب ومزدهر بشكل حقيقي". وحتى ذلك الحين، ستبقى السلطات "التشريعية والإدارية والقضائية" بيد هلينغ، فيما أصبح الجنرال ميينت سوي رئيساً بالوكالة. ويرى الجيش الذي يقف وراء صياغة دستور 2008 والديموقراطية الناشئة أنه حامي الوحدة الوطنية والدستور، وقد احتفظ لنفسه بدور دائم في النظام السياسي، إذ تبلغ حصّته 25% من مقاعد البرلمان لا تخضع للانتخابات، كما أنه يسيطر على وزارات الدفاع والداخلية والحدود، بما يضمن له دوراً مهمّاً في الحياة السياسية. ويقول الدستور إنه لا يحقّ للقائد العام للجيش أن يتولّى السلطة إلّا في ظروف استثنائية يمكن أن تفضي إلى "تفكّك الاتحاد وتفكّك التضامن الوطني وفقدان السلطة السيادية"، على ألّا يحدث ذلك إلّا في حال الطوارئ التي يمكن فقط لرئيس مدني أن يعلنها.
وتواردت ردود الفعل الدولية فوراً؛ إذ ندّدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالانقلاب، وطالبا بالإفراج عن الموقوفين، فيما حذّرت واشنطن، على لسان وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، من أنها قد تتّخذ "إجراءات بحقّ المسؤولين"، داعية الجيش إلى التراجع عن إجراءاته. ودعت بكين، من جهتها، إلى تسوية الخلافات "في إطار الدستور"، في بيان أشار إلى الأحداث "الملحوظة" في البلاد من دون إدانتها. وفيما ندّد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، "بشدة... بالتطورات التي تشكّل ضربة قويّة للإصلاحات الديموقراطيّة في بورما"، تقّرر عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، اليوم، لبحث التطورات في ميانمار.