لندن | لم تكد تمرّ ثلاثة أسابيع على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حتى بدأت غيوم التصدّع والتأثيرات السلبية بالتراكم في سماء لندن المكفهرّة أصلاً. إذ نشر «الحزب القومي الاسكتلندي» ــــ الذي يُهيمن على البرلمان والسياسة في الإقليم الشمالي الخاضع لحكم لندن منذ أكثر من ثلاثمئة عام ــــ، يوم الأحد الماضي، ما سمّاه «خريطة طريق» نحو الاستقلال، حدّد فيها، للمرّة الأولى رسميّاً، كيف سيتعامل الحزب مع مناورات قانونية ودستورية قد تلجأ إليها حكومة حزب المحافظين في لندن ــــ التي تريد منع تفكّك المملكة المتحدة بأيّ طريقة ــــ للتملّص من عقد استفتاء شعبي حول تقرير مصير الإقليم. وبحسب القانون الذي ينظّم العلاقة بين لندن وأدنبرة (عاصمة الإقليم الشمالي)، فإن من حق الاسكتلنديين، في حال تغيّر الظروف الموضوعية، التقدّم بطلب لإجراء استفتاء على تقرير المصير، لكن ذلك يحتاج إلى موافقة برلمان ويستمنستر، وهو ما سيفتح حتماً بوّابة صراع لا تُعرف نهاياته. ويراهن الحزب القومي على مزاج الشعب الاسكتلندي (أقلّ من 6 ملايين نسمة) المعارض بأغلبيته لفكرة ترك عضوية الاتحاد الأوروبي (بريكست) التي أقدمت عليها لندن، ويؤيّد لذلك أيّ صيغة قد تعيده إلى رعاية بروكسل مجدّداً في مواجهة الإخوة الأعداء جنوباً. وأجري آخر استفتاء في الإقليم عام 2014، وانتهى، إثر مشاركة كثيفة ــــ هي الأعلى في تاريخ المملكة المتحدة منذ 1910 ــــ، لمصلحة معارضي الاستقلال بفارق 5% من مجموع الأصوات (55 مقابل 45%).

وكان استطلاع للرأي، قد أُجري نهاية الأسبوع الماضي، أظهر أن أغلبية الناخبين في كلّ من اسكتلندا وإيرلندا الشمالية يؤيّدون إجراء استفتاء حول علاقة إقليمَيهم المستقبلية بالمملكة المتحدة. ومع ذلك، فإن قطاعات مهمة من السكّان في الإقليمين تُفضّل البقاء ضمن بريطانيا لأسباب تاريخية وطبقية وبراغماتية. فبينما أُخضع إقليم إيرلندا الشمالية بمطلق القوّة، كانت العلاقات أكثر تعقيداً وتشابكاً مع الاسكتلنديين ــــ الذين هم بالمناسبة بقايا السكّان الأصليين للجزيرة التي غلب عليها غزاة أوروبيون من ألمانيا وفرنسا واسكندينافيا واتخذوها موطناً ــــ. ومنحت الرأسمالية الصاعدة، خلال الـ 250 عاماً الأخيرة، نخبهم فرصاً للانخراط في حروب الإمبراطورية، التي شاركوها يداً بيد في النهب والقتل وتجارة العبيد. ولذلك، فإن النخبة البورجوازية الثرية في أدنبرة تتماهى بأغلبيتها وتشترك بالمصالح الوثيقة مع لندن، فيما يَسهُل دائماً تخويف الشبّان الصغار من الاستقلال بوصفه مغامرة هوجاء مجهولة العواقب.

تبنّت حكومة جونسون استراتيجيّة جديدة من خمس نقاط لإنقاذ وحدة أقاليم المملكة المتحدة


ويبدو أن واضعي «خطّة الطريق» أخذوا بالحسبان أن مشروعهم للاستقلال سيكون ورقتهم الأهمّ في الانتخابات العامة المقبلة (أيار/ مايو 2021). ولذا، جاءت خطّتهم، ذات الـ 11 نقطة، معتدلة وهادئة ولا تتضمّن أيّ مواقف جذرية لضمان أكبر توافق شعبي ممكن على مرشحي الحزب الذي يدير حكومة أقلية منذ 2016. لكن النتيجة كانت مُخيّبة لآمال القوميين المتشدّدين واليسار الاشتراكي، سواء في قاعدة الحزب أو خارجه، الذين يتقاطعون عند اعتبار مفصل «بريكست» فرصة تاريخية لقيام اسكتلندا مستقلّة لأول مرّة في التاريخ الحديث. وبحسب تفاصيل الخطّة كما نشرتها صحف أدنبرة، فإن أغلب النقاط تبدو معنيّة بإجراءات وأساليب قائمة بالفعل لتفعيل طلب إجراء الاستفتاء وفق القانون السائد، وهي تنصّ على أنه «إذا تولّى الحزب القومي الاسكتلندي السلطة (إثر الانتخابات العامة المقبلة)، فإن الحكومة الاسكتلندية ستتقدّم بطلب لإجراء استفتاء على الاستقلال عملاً بالمادة 30 من القانون الذي ينظّم علاقة الإقليم بالمملكة، ولا يُعتقد أنه في مثل هذه الظروف سيكون هناك أيّ مبرر أخلاقي أو ديموقراطي لرفض هذا الطلب». وتشير الخطّة إلى أنه في حال «إصرار حكومة المملكة المتحدة على موقفها، فإن ذلك سيكون خياراً غير قابل للاستمرار، لا في الداخل ولا في الخارج على حدّ سواء». لكنها لم تتحدّث عن بدائل أكثر واقعيّة للتعامل مع تعنّت محتمل من قِبَل لندن، سوى تقديم طعون بالرّفض لدى المحاكم الدستورية المختصّة.
وقد تعرّضت الخطّة للانتقادات فور نشرها. إذ لم تُرضِ طموحات قاعدة الحزب الأساسية بتبنّي منهجية حاسمة، فيما عاب عليها مراقبون أنها غير واقعية ولا تأخذ بالحسبان تقلّبات التحالفات السياسية منذ تولّي بوريس جونسون مقاليد «10 دواننيغ ستريت» قبل 18 شهراً. فالتيار اليساري داخل «حزب العمّال» خسر معركته بالكامل أمام يمين الحزب بعد الأداء السيّئ في الانتخابات البريطانية العامّة الأخيرة، وستدفع القيادة الجديدة ــــ وفرعها الاسكتلندي ــــ باتجاه دعم جهود جونسون لمنع تفكّك المملكة، عبر المماطلة داخل برلمان أدنبرة، وتأجيل التصديق على تقديم طلب إجراء الاستفتاء بحجّة الأوضاع الاقتصادية والصحيّة المتردّية نتيجة جائحة «كوفيد - 19»، علماً بأن «الحزب القومي» وعد ــــ في حال بقائه في السلطة ــــ بإجراء الاستفتاء بعد انحسار الوباء. ولا يتفاءل أحد هنا بإمكان عودة الأمور إلى طبيعتها قبل عدّة سنوات، ما يعني تأجيلاً مفتوحاً لمشروع الاستقلال برمّته.
على الجانب الآخر، وفي تلك الأثناء، كانت حكومة جونسون تتبنّى استراتيجية جديدة من خمس نقاط لإنقاذ وحدة أقاليم المملكة المتحدة. وتنطوي هذه الاستراتيجية على تكتيكات للمحافظة على تقديم صورة «أكثر دفئاً وأكثر تعدّدية ثقافية» للمملكة المتحدة، وتحدّي وجهة النظر «اليسارية»المستفزّة عن أن الاتحاد هو من مخلّفات المرحلة الإمبراطورية. وستدفع الحكومة في اتجاه تقديم دعم جدّي للأحزاب والسياسيين المعارضين للاستقلال في الانتخابات الاسكتلندية القادمة، مع إطلاق حملة واسعة لتسويق الجوانب الإيجابية للاتحاد، والحضّ على رفض طلب الاستفتاء، ومحاولة بثّ الفرقة بين الاسكتلنديين عبر تقديم وعود بمزيد من الصلاحيّات للبرلمان المحلي كجزء من إصلاحات أوسع نطاقاً تشمل مختلف أقاليم المملكة. وفي حال الاضطرار إلى إجراء استفتاء في يوم ما، فلا بدّ من فرض سيطرة تامّة من قِبَل لندن على توقيت التصويت وشروطه. ويمكن الاستنتاج بسهولة أن أيّاً من الخريطتين المتعارضتين لا تمنح أفضليّة أكيدة لأيّ من الطرفين. ولذا، فإن الفترة البرلمانية المقبلة في أدنبرة سوف تهيمن عليها المراوحة ومعارك دستورية لا يمكن حلّها. وهذا يزيد من احتمالات تحقّق تنبؤات غوردان براون الكئيبة: المأزق القديم نفسه، مصحوباً بانهيار في النظام التوافقي، مع احتمال ضئيل لحسم الأمور في أيّ اتجاه. وكانت الحكومة قد أرسلت نسخة من الاستراتيجيّة الجديدة إلى مكتب براون ــــ الاسكتلندي الذي تولّى رئاسة وزراء بريطانيا في آخر حكومة عماليّة قبل عقد من الآن ــــ. وعلّق براون بقوله «إن المملكة المتحدة تخاطر بالتحوّل إلى دولة (فاشلة)»، وهو مصطلح يُستخدم عادة لوصف دول انهارت أنظمتها وأمسكت بخناقها الفوضى كالصومال مثلاً.